|
|
||||
|
|
|
|||
|
|
||||
| خلفاء وملوك | ||||
|
- أبو بكر الصديق: هو عبد الله بنُ أبي قحافة؛ عثمان بنِ عامر بنِ كعب التّيْميّ القرشي، يكنى أبا بكر، ويلقّب بالصديق، وهو أول الخلفاء الراشدين، وأول من آمن برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الرجال، ولد بمكة سنة 15 قبل الهجرة ـ 375م، ونشأ سيدًا من سادات قريش، وغنيًا من كبار مُوسِرِيهِمْ، وعالمًا بأنساب القبائل وأخبارها وسياستها. حَرّمَ على نفسه الخمر في الجاهلية، وكانت له في عصر النبوة أعظم المواقف؛ فشهد الحروب، واحتمل الشدائد، وبذل الأموال، وبويع بالخلافة يوم وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سنة 11 هـ، فحارب المرتدّين والممتنعين من دفع الزكاة، وافتتحت في أيامه بلاد الشام وقسم كبير من العراق. وكان حليمًا خطيبًا لسنًا. وامتدت خلافته سنتين وثلاثة أشهر ونصف شهر. توفي ـ رضي الله عنه ـ في المدينة سنة 31هـ ـ 436م. 2-أحمد بن طولون: هو أحمد بن طولون، أبو العباس: الأمير صاحب الديار المصرية والشامية والثغور. تركيٌّ الأصل، وُلد سنة 220هـ ـ 835م في سامراء، وكان شجاعًا جوادًا حسن السيرة، يباشر الأمور بنفسه، موصوفًا بالشدة على خصومه وكثرة الفتك بمن عصاه، يؤخذ عليه أنه كان حادَّ الخُلُق، سفك كثيرًا من الدماء في مصر والشام. وقد بنى الجامع المنسوب إليه في القاهرة. ومن آثاره قلعة يافا بفلسطين. كان أبوه مولى لنوح بن أسد الساماني، أمير بخارى وخراسان، وأهداه نوح في جُملةٍ من المماليك إلى المأمون، فرقّاه المأمون. ووُلد له أحمد في سامراء، فتفقه وتأدّب، وتقدم عند الخليفة المتوكل إلى أن ولي إمارة الثغور وإمرة دمشق، ثم مصر سنة 254هـ ، وانتظم له أمرُها مع ما ضم إليها. ووقعت له مع الموفق العباسي أمور، فرحل بجيش إلى أنطاكية فمرض فيها، فركب البحر إلى مصر، وتوفي بها سنة 270هـ ـ 884م.
3- الإسكندر الأكبر هو الإسكندر بن فيليب المقدونيّ، أشهر الغُزاة في العصور القديمة، وُلد سنة 356 قبل الميلاد في مدينة بيلا عاصمة مقدونيا. أبوه الملك فيليب الثاني ملك مقدونيا الذي كان نابهًا بعيدَ النظر. في فترةِ قوةٍ ونضجٍ استطاع والد الإسكندر الملك فيليب الثاني ملك مقدونيا، أن يوسع حدود مملكته، وأن يدعم جيشه ويجعلَه قوة ضاربةً من طراز فريد، وتمكن من إقامة اتحاد من الدويلات اليونانية بزعامته، وكان يَنْوِي غزوَ الإمبراطورية الفارسيّة، وشرع في ذلك سنة 336 ق. م، لكنه لم يَكَدْ يبلغ السادسة والأربعين من عمره حتى اغتيل، فخلفه ابنه الإسكندر على العرش دون مصاعب، وعمره آنذاك لا يتعدى العشرين عامًا، ومع صغر سنه إلا أنه كان على درجة عالية من الكفاية الحربية، إذْ كان والده قد تعهّده بالرعاية والتدريب والتثقيف والتعليم منذ صباه، فاستحضر له وهو في الثالثة عشرة من عمره الأستاذ الفيلسوف أرسطو؛ أحد أكبر مفكري العصور القديمة، فعلَّمه ما زاد عقلَه رجاحةً، فاستوعب الإسكندر فلسفة أرسطو، ودَرَسَ الشعر الإغريقيّ، لكن معلميه رسّخوا في عقيدته أن الإغريق وحدهم المتحضرون، وأن من عداهم همج. وعلى أثر وفاة الملك فيليب وتولِّي الإسكندرِ العرشَ رأت اليونان ودويلاتها الأخرى أن الفرصة سانحة للتخلص من السيطرة المقدونية، لكن الإسكندر استطاع في السنتين الأوليين من حُكمه أن يمكّن لجيوشه في هذه المناطق، بل وتهيأ لغزو الإمبراطورية الفارسية، التي كانت يومئذ تحكم المناطق الممتدة من البحر التوسط إلى الهند، وعلى الرغم من أن هذه الإمبراطورية الفارسية لم تكن في أَوْجِ قوتها حينئذ، فإنها كانت أقوى وأكبر وأغنى إمبراطورية على الأرض. بعدما أحْكَمَ الإسكندر قبضتَه على المملكة التي ورثها عن أبيه، بدأ غزوَه الجريء للإمبراطورية الفارسية عام 334 ق. م، فترك جزءًا من جيوشه وراءَه، وزحف بما يعادل أربعة وثلاثين ألف جندي، وهي قوة صغيرة جدًا إذا ما قُورنت بالجيوش الفارسية، وبالهدف الذي يسعى الإسكندر لتحقيقه، وعلى الرغم من هذه الفجوة، فإن الإسكندر انتصر في كل معاركه ضد الفرس؛ فقد كان قائدًا ذَا شجاعة نادرة؛ يتولى بنفسه قيادة المعارك في مراحلها الأولى، ويتقدم قواتِه عند احتدام القتال، وهو سلوك ينطوي على مخاطر كبيرة عرّضتْه لإصابات جسيمة في المعارك التي خاضها، بَيْدَ أن جنودَه وضباطَه رأوا في مسلكه ذلك دافعًا لهم على الإقدام، وعظمةً وتواضعًا ومَثلاً عاليًا من قائدهم، مما كان له عميق الأثر في نفوس القوات جميعِها، وبرغم أن الإسكندر كان جادًا وصادقًا في وُعوده لأعدائه، إلا أنه كان في نفس الوقت مغرورًا خشنًا شرسًا. بدأ الإسكندرُ معاركَه بأن دخل آسيا الصغرى (تركيا الآن) وهزمَ القوات الفارسية التي اعترضتْه هناك، ثم اتجه نحو سوريّة وطوّقَ جيش فارس، ثم اتجه إلى الجنوب فحاصر مدينة صور لمدة سبعة أشهر، وأثناء الحصار تلقى رسالة من إمبراطور فارس يتنازل له فيها عن نصف الإمبراطورية الفارسية مقابل وقف الحرب، لكن الإسكندر رفض عرضَ خصمه، وخاض معاركه وحقق انتصارات ساحقة، واتجهت قواتُه إلى "غزة" فاستولت عليها بعد حصار دام شهرين، واستسلمت مصر دون قتال. كل هذا والإسكندر لم يكد يجاوز الرابعة والعشرين من عمره، وقد استراح بقواته في مصر بعض الوقت، ثم نهض إلى آسيا حتى بلغ "إربل"، فحاصر جيوشا فارسية ضخمة وانتصر عليها سنة 331 ق. م. ثم اتجه إلى بابل وإلى مدينتي سوس وبرسيوليس فسحق ما بها من قوات فارسية، وبعد ثلاث سنين استولى على إيران كلها، واتجه إلى آسيا الوسطى، ولم يكتفِ باستيلائه على فارس، فاندفع متعطشا للقتال نحو أفغانستان ثم جبال كوش، ثم إلى الهند، فسيطر على كل ذلك. ثم عاد إلى فارس فأمضى قرابة عام في تنظيم إمبراطوريته تنظيمًا هائلاً. وكان الإسكندر قد تربَّى على أن الحضارة الإغريقية هي الحضارة الوحيدة في العالم، وأن مَنْ عدا الإغريق شعوبٌ همجية، غير أنه بعد انتصاره على الفرس واطّلاعه على حضارتهم اقتنع بأنهم ليسوا شعوبًا همجية متخلفةً؛ ومن ثم فكّر في الدمْجِ بين حضارة الإغريق وحضارة الفرس؛ ليجعل منهما حضارة جديدة لإمبراطورية إغريقية متحدة يكون هو على رأسها. وفاته: كانت لدى الإسكندر خطط لغزو روما وقرطاجة وغرب البحر الأبيض، وشمال بلاد فارس وشبه جزيرة العرب، وكانت لديه خطة لاستكمال غزو الهند، ولكن القَدَرَ لم يمهلْه لتنفيذ خططه، إذ اخترمته المنية وهو في ريعان شبابه لم يجاوز الثالثة والثلاثين من عمره، في يونيو سنة 323 ق. م، ويقال: إن جثمانه نقل إلى مصر حيث دفن في مدينة الإسكندرية التي كان هو مؤسسَها الأول. 4- الأشرف خليل بن قلاوون: هو خليل بن قلاوون الصالحي: الملك الأشرف صلاح الدين ابن السلطان الملك المنصور. من ملوك مصر. وكان مولدُه سنة 666هـ ـ 1268م، وولي بعد وفاة أبيه سنة 689هـ، فاستفتح المُلك بالجهاد، وقصد البلاد الشامية وقاتل الإفرنج، فاسترد منهم عكَّا وصورَ وصيدا وبيروت وقلعة الروم وبيسان وجميع الساحل، وتوغل في الداخل. وكان شجاعًا مَهيبًا عالي الهمّة جوادًا، له آثار عمرانية، وللشعراء أماديح فيه. قتله غيلةً بعض المماليك بمصر سنة 693هـ ـ 1294م. 5- الأشرف شعبان: هو شعبان بن حسين ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون، أبو المعالي، ناصر الدين: من ملوك أسرة قلاوون المماليك بمصر والشام. ولد سنة 754هـ ـ 1353م. ثم ولي السلطنة بعد خلع ابن عمه محمد بن حاجّي سنة 764هـ ، ووُصف بالعدل والحلم واللين وحب الناس، والانقياد للشريعة وحب أهل العلم، وكثرة البر والصدقات، فضلاً عن فتوحاته ومنشآته الكثيرة. وفي أيامه أغار الإفرنج سنة 767هـ بقيادة صاحب قبرص على الإسكندرية في سبعين مركبًا، وظلوا زهاء أسبوع يقتلون الرجال ويأخذون الأموال، ويأسرون النساء والأطفال، ونقلت الغنائم بالبحر، فسُمع للأسرى من العويل والبكاء والشكوى إلى الله ما قطع الأكباد وذرفت له العيون ـ كما يقول ابن كثير في البداية والنهاية ـ وركب الأشرف شعبان من القاهرة، فوصل إلى الإسكندرية بعد رحيل الإفرنج، فأمر بإصلاح ما أفسدوه، وأمر بعمارة مائة مركب لصد غارات الفرنجة على البلاد. وقد خرج عن طاعته أتابك العسكر "يلبغا"، فقاتله الأشرف وظفر به، وجيء برأسه سنة 767هـ، واضطرب أمر الجيش مدة، ثم استقر. وانتظمت للأشرف شئون الدولة إلى أن أراد الحج سنة 778هـ فأخذ معه من الأمراء من كان يخشى خروجه عن الطاعة، وتوجه فبلغ العقبة، فثار عليه مماليكُه، واتفقوا مع بعض أمراء الجيش، فقاتلهم الأشرف، وانهزم. وعاد إلى القاهرة، فاختفى، ثم عثروا عليه وقتلوه سنة 778هـ ـ 7713م. 6- الأشرف قايتباي: هو قايتباي المحمودي الأشرفي، ثم الظاهري، أبو النصر، سيف الدين، سلطان الديار المصرية، من ملوك الجراكسة. ولد سنة 518هـ ـ 2141م، وكان من المماليك، واشتراه الأشرف برسباي بمصر صغيرًا من الخوجه محمود سنة 938هـ، وصار إلى الظاهر جقمق بالشراء، فأعتقه واستخدمه في جيشه، فانتهى أمره إلى أن أصبح في سنة 872هـ أتابك العسكر للظاهر تمربغا الذي خلعه المماليكُ في السنة نفسها، وبايعوا "قايتباي" بالسلطنة، فتلقب بالملك الأشرف. وكانت مدته حافلة بالحروب، وسيرتُه من أطول السِّيَرِ. تعرضت البلاد في أيامه لأخطار خارجية، أشدها ابتداء العثمانيين ـ أصحاب القسطنطينية ـ محاولة احتلال حلب وما حولها، فأنفق أموالاً عظيمة على الجيوش كانت من العجائب التي لم يُسمع بمثلها في الإنفاق، وشُغِل بالعثمانيين، حتى إن صاحب الأندلس استغاث به لإعانته على دفع الفرنج عن غرناطة، فاكتفى بالالتجاء إلى تهديدهم بواسطة القسّيسين الذين في القدس، سلمًا دون قتال، فضاعت غرناطة وذهبت الأندلس. كان الأشرف قايتباي متقشفًا مع عظم إنفاقه على الجيوش ـ كثير المطالعة، له اشتغال بالعلم، وفيه نزعة صوفية، كما كان شجاعًا عارفًا بأنواع الفروسية، مَهيبًا عاقلاً حكيمًا، إذا غضب لم يلبث أن تزول حِدّته. ترك كثيرًا من آثار العمران في مصر والحجاز والشام والقدس، ولا يزال بعضها قائمًا إلى الآن. توفي بالقاهرة سنة 109هـ ـ 6941م. 7- الملك الأشرف موسى الأيوبي هو أبو الفتح موسى بن أبي بكر بن أيوب، ابن أخي صلاح الدين الأيوبي، الملقب الملك الأشرف مظفر الدين، أحد ملوك الدولة الأيويبة. ولد بالقاهرة سنة 578هـ. وكان محبوبًا إلى الناس مسعودًا مؤيدًا في الحروب من يومه. كان سلطانًا كريمًا، حليمًا، واسع الصدر، كريم الأخلاق، كثير العطاء، لا يوجد في خزانته شيء من المال مع اتساع مملكته، ولا تزال عليه ديون للتجار وغيرهم. وكان يميل إلى أهل الخير والصلاح ويحسن الاعتقاد فيهم. أول شيء ملكه من البلاد مدينة الرها سنة 598هـ، ثم أضيفت إليه حران، ولقي نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل، وانتصر عليه سنة ستمائة 600هـ. ولما توفي أخوه الملك الأوحد صاحب خِلاط وميافارقين وتلك النواحي، أخذ الملك الأشرف مملكته مضافة إلى ملكه سنة 609هـ، فاتسعت حينئذ مملكته، وبسط العدل على الناس، وأحسن إليهم إحسانًا لم يعهدوه ممن كان قبله، وعظم وقعه في قلوب الناس، وبَعُدَ صيته، وكان قد ملك نصيبين الشرق في سنة 606هـ، وأخذ سنجار سنة 617هـ، وكذلك ملك معظم بلاد الجزيرة، وكان يتنقل فيها، وأكثر إقامته بالرقة لكونها على الفرات. وقد سار الملك الأشرف لنجدة أخيه الملك الكامل لما احتل الصليبيون دمياط سنة 616هـ أثناء الحملة الصليبية الخامسة. وبنى الأشرف بدمشق دارًا لتعليم الحديث النبوي، فوض تدريسها إلى الشيخ تقي الدين ابن الصلاح. كان بالعقيبة ظاهر دمشق خان يعرف بابن الزنجاري قد جمع أنواع أسباب الملاذ، ويجري فيه من الفسوق والفجور ما لا يحد ولا يوصف، فقيل له عنه: إن مثل هذا لا يليق أن يكون في بلاد المسلمين، فهدمه وعمره جامعاً أنفق عليه مالا كثيرا، وسماه الناس"جامع التوبة" كأنه تاب إلى الله تعالى وأناب مما كان فيه. وفاته: توفي بدمشق سنة خمس وثلاثين وستمائة 635هـ. 8- الأفضل ابن صلاح الدين الأيوبي: هو الملك علي (الأفضل نور الدين) بن يوسف (صلاح الدين) بن أيوب: صاحبُ الديار الشامية. ولد بمصر سنة 566هـ ـ 1171م. استقل بمملكة دمشق ومعها القدس بعد وفاة أبيه السلطان الناصر سنة 589هـ، وأخذها منه أخوه العزيز وعمه العادل سنة 592هـ، وأعطياه "صرخد"، ثم دُعي إلى مصر بعد وفاة صاحبها العزيز (أخيه) وولاية ابنه المنصور (محمد بن العزيز) وكان صغيرًا، فتولى الأفضل شئون مصر سنة 565هـ ، مساعدًا للمنصور، إلى أن أخرجه منها عمه العادل وأعطاه "سميساط" ، فأقام فيها حتى وفاته سنة 622هـ ـ 1225م. قال ابن الأثير: "كان من محاسن الزمان، خَيِّرًا عادلاً فاضلاً حليمًا كريمًا، حَسَنَ الإنشاء، لم يكن في الملوك مثله". وقد أنشأ الجامع العمري في مدينة القدس. 9- بلْدُوِين الأول هو بلدوين بن استاس: أبوه الكونت استاس أحد الرجال البارزين بولاية بولونيا من مملكة الفرنجة. كان دوقُ (أمير) الرُّها رجلاً عقيمًا، فتبنى بلدوين بن استاس، فلما مات خَلَفه بلدوين على إمارة الرها بكل ملحقاتها. وأخو بلدوين هو الدوق جُودفُرُي؛ القائدُ الصليبيّ الذي اقتحم مدينةَ بيت المقدس فاستولى عليها وصار أولَ ملك لاتينيٍّ بها، وخَلَفَهُ بعد موته بلدوين الأول؛ أمير الرُّهَا، الذي كان عملاقًا فارع الطول، يَفُوقُ أخاه الدوق جودفري بكثير، وكان أبيضَ، عسليَّ شعر الرأس واللحية، فارسًا خبيرًا. أما أمه فهي "إيدا" إحدى ذوات المكانة في مملكة الفرنجة. نشأ بلدوين الأول بين أبوين صليبيين شديدَيِ التعصبِ، فامتلأت نفسه بألوان الكُره للمسلمين والحقد عليهم، وقد بدأ حياته في كنف الكنيسة حتى صار من رجال الدين المتميزين بالإلمام بكثير من العلوم الإنسانية، لكنه خَلع عباءة الدين هذه في فترة لاحقة، وتفرغ لأمور الحرب كأخيه جود فري، ثم تزوج من إحدى سليلات النبلاء وهي "جودهيلد" التي اصطحبها معه في الحملة الصليبية التي احتلت بيت المقدس عام 1099م، فمرضت وماتت في مدينة مرعش قبيل وصول الصليبيين أنطاكيّة، ثم تزوج من ابنة "توروس"؛ أحد أمراء الأرمن الأثرياء. وُصف بلدون بأنه كان فاجرًا منغمسًا في ملذّاته الجسدية ولا يكف عن الخطايا، خاصة مع صداقته الحميمة لأرنولف رئيس شمامسة بيت المقدس، الذي كان ـ طبقًا لوصف كبار أساقفة النصارى له ـ حَطِيطَ الخُلُقِ دنيءَ الطبع عظيمَ الخطايا، يميل للشر والأذى. هو عصر عَلَتْ فيه يد الصليبيين فسيطرت على بقاع إسلامية شتى، حتى امتدت سيطرتهم إلى بيت المقدس في يوليو 1099م، فتُوج القائد جودفري ملكا صليبيا عليها حتى وفاته في يوليو سنة 1100م، وبوفاته بقيت المملكة بلا مَلِك ثلاثة أشهر، حتى بعث القساوسةُ ورجال الكنيسة إلى شقيقه بلدوين الأول أمير الرُّهَا؛ ليتولى شئون المملكة التي آلت إليه بالوراثة، وليحسم النزاعات الشخصية المحتدمة بين رجال الكنيسة وبين المنسلخين عنهم. خرج بلدوين الأول في الثاني من أكتوبر عام 1100م إلى بيت المقدس في مائتي فارس وثمانمائة جندي من المشاة؛ ليتولى أمر مملكة بيت المقدس التي آلت إليه بالوراثة عن أخيه الدوق جود فري، وفي طريقه إليها نصب له المسلمون كمينا نجا منه، ثم وصل القدس ومكث بها حتى استقرت له الأمور، فانطلق بجنده وهاجم عسقلان، ثم عبر نهر الأردنّ وأغار على المسلمين فقَتل وسَبَى وغَنِمَ، ثم عاد إلى القدس فاستقر بها حتى أَهَلَّ عامُ 1101 الميلادي، وزالت أسباب الخلاف بينه وبين البِطْرك، فتُوِّج بتاج مرصَّعٍ بالجواهر ملكًا على القدس، ودُهن بالزيت في كنيسة بيت لحم. وكانت عيونُه تجمع له أخبار المسلمين ومواطن ضعفهم، فجاءتْه أنباء أغْرَتْهُ بمعاودة عبور نهر الأردنّ ومهاجمة المسلمين في جنح الظلام، ففعل وقَتَلَ كثيرًا من الرجال، وسَبَى كثيرًا من النساء والأطفال، وغَنِمَ كل ما وقع تحت يده، ثم عاد إلى مملكته وقد اختمرت في عقله فكرة توسيع المملكة ومدّ رقعتها بالاستيلاء على البلاد الضعيفة المجاورة، فعقد اتفاقات مع قُوى صليبية، مُغريًا إياهم بالغنائم والأرض التي يُمْكنُهم الاستيلاء عليها، فاستولى على مدينة "أرسوف" الساحلية الخصيبة، وأقام حاميةً لحراستها، ثم سيطر على قيسارية الجميلة، فانْدفع الصليبيون إليها يقتلون ويأسرون، ويجمعون الغنائم، ويَبْقُرون بطونَ الأحياء والأموات من المسلمين. وانطلق بلدون بقواته نحو مدينة الرمْلة، ففرّ عنها سكانُها قبيل وصول الصليبيين الذين نزلوا بها فوجدوها خاوية من أهلها، فاكتفَوْا بإقامة حصنٍ ذي أسوار، وبحفر خندق في جانب منها، وتحصنوا بها فقاتلهم الجيش المسلم الزاحف من مصر حتى تحطم أغلب الجيش الصليبي، وفر بلدوين بمن بقي معه إلى "يافا" ثم قدمت أمداد صليبية استولت على مدينة "طرطوس"، ثم اتجهت إلى بيت المقدس، فاستقبلهم بلدوين في بيروت، واصطحبهم إلى بيت المقدس، ثم هزمهم المسلمين عند الرملة هزيمة مروعة؛ حتى إن "أَسْقُفّ اللّدّ" فر هاربًا من كنيسته إلى يافا بمجرد سماعه بما جرى لرجالهم. وعاد الملك بلدوين الهارب إلى "أرسوف"، ومنها تحرك نحو "يافا" بعدما نجا من القتل، وأتاه مدد من الصليبيين، فحاول الإغارة على أطراف معسكر المسلمين، لكنه استشعر الخطر فآثر السلامة وارتدَّ عائدًا إلى يافا. وفي سنة 1103م حاصر بلدوين عكّا، لكنها استعصت عليه، وأعاد المحاولة في شهر مايو من عام 1104م وحشد جُنْدَ مملكته لحصار "عكّا"، واغتنم فرصة رُسُوِّ أسطول جِنْويّ (نسبة إلى جِنْوَة بجنوب إيطاليا) كبير، فتقرب إليهم بغية معاونته في الاستيلاء على عكّا بحصارها من البحر مثلما ساعدوه من قبل في الاستيلاء على قيسارية، وأغراهم بغنائم وعوائد كبيرة وانْعقد الاتفاق، وحُوصرت "عكّا" برًا وبحرًا، وبعد عشرين يومًا من صمودها تحت الحصار استسلمت على أنْ يخرج من المدينة مَنْ أراد الخروج، ويدفع الجزية مَنْ أراد البقاء بها، وبسقوطها توفر للصليبيين مدخل آمِنٌ إلى الشام بطريق البحر. وفي نفس العام (1104م) قام بلدوين وتانكريد بمحاصرة مدينة "حران"، واشتدت وطأة الحصار بأهلها حتى راسلوا الصليبيين للاستسلام، فتنازع القادةُ الصليبيون فيما بينهم، وأدركهم جيش من الأتراك المسلمين، فهزمهم هزيمة ساحقة. وإزاء محاولات المسلمين المتكررة استرداد بلادهم المحتلة لم يجد بلدوين الأول بُدًا من السعي لاستكمال توسيع مملكته في القدس لأجل تأمينها وتعظيم حجمها، فشرع في ذلك عام 1109م. وكان أسطول جِنْوة قد استولى على مدينة "جُبَيل" الواقعة على الساحل الشامي، فراسلَهم بلدوين لمساعدته ـ كعادتهم ـ نظير قدر من الغنائم والعوائد، وفعلاً قاموا بحصار طرابلس حتى استسلمت عاشر يوم من يونيو سنة 1109م، وفي عام 1110م رفع بلدوين كنيسة بيت لحم إلى مرتبة الكاتدرائية تكريمًا لقدرها عندهم. وفي السابع والعشرين من أبريل عام 1110 م، استولى بلدوين بقواته على بيروت وارتكب ضد أهلها مذبحة مروعة. وبعد حين وصل أسطول من الدانماركيين والنرويجيين إلى بلاد الشام، فاستطاع بلدوين بمساعدتهم فرض الحصار على صَيْدا واحتلالها يوم التاسع عشر من ديسمبر عام 1111م، وبسقوطها أصبحت جميعُ المدن الساحلية الممتدة من اللاذقيّة بالشام حتى عسقلان في يد الصليبيين باستثناء "صُور" التي أقدم بلدوين على حصارها، لكن أهلها بالغوا في إحكام حصونها بما أعجز الجيوش عن اقتحامها. لكن الأمراء الأتراك المسلمين كانوا للصليبيين بالمرصاد، فكانت مقاومتهم للصليبيين لا تهدأ، وقد نجا بلدوين نفسه من الموت بأعجوبة عدة مرات، وتمزقت كتائب من جيشه في معارك عديدة. وأمام تلك الهجمات الإسلامية المتوالية قرر بلدوين الأول القيامَ بعمل كبير وراء نهر الأردنّ يوسع مملكته ويتيح له خطًا دفاعيًا منيعًا لردّ هجمات المسلمين؛ فجمع قواتِه، واجتاز البحر الميت، وجاوز البتراء، وتخير موقعًا مرتفعًا، فشيد فيه قلعة منيعة زودها بوسائل دفاع كبيرة كالأسوار والأبراج والخنادق، ثم أقطع كثيرًا من الفرسان والمشاة أراضي شاسعة استولى عليها، واستبقاهم في تلك القلعة مسلَّحِين مُمَوَّنين، ثم أخذ يستقدم النصارى المقيمين بسوريّة وكثير من القرى العربية، ليعيشوا في المدينة المقدسة ويكثّروا نصاراها، فاستجاب لدعوته أكثرُهم. ثم قام بلدوين الأول بتشييد قلعة بين صور وعكّا في عام 1117م؛ لتكون شوكة في جنب المسلمين من أهل مدينة صور التي أرهقته ببقائها في يد المسلمين. ولم يكد عام 1118م يمضي حتى كان بلدوين الأول قد أعد جيشًا للثأر من المصريين الذين أنزلوا به من قبلُ كثيرًا من الهزائم، فاستولى على مدينة الفرما واستباحَهَا. كان بلدوين الأول ثانِيَ ملكٍ صليبي لاتينيٍّ يتولى مملكة بيت المقدس بعد سقوطها في بيد الصليبيين عام 1099م؛ فعقب وفاة أخيه الدوق جودفري سنة 1100م، وخلوّ مملكة بيت المقدس من ملك يتولّى أمرَها، راسل رجالُ الكنيسة كُونْت الرُّهَا بلدوين الأول، لِيَفِدَ عليهم، فيتولى أمر المملكة المقدسة حسمًا للخلاف، ففعلَ، وتُوِّجَ ملكًا على القدس؛ ودُهِنَ بالزيت في كنيسة بيت لحم، وأخذ يوطد دعائم مملكته، ويتحسّسُ أخبار الممالك الإسلامية المجاورة حتى أغراه ضعفُها بإدخالها تحت سلطانه، فاتسعت مملكة بيت المقدس على يد بلدوين الأول، وصارت تتبعها ممالك كثيرة. ومما ينسب إلى بلدوين الأول قيامُه باستقدام نصارى العرب من سوريّة والقرى العربية الواقعة فيما وراء نهر الأردنّ إلى مدينة بيت المقدس؛ لاستيطانها وتنصيرها وفرض الوجود الصليبي الكثيف الذي يُمْكنه صدّ أي غارة إسلامية محتملة. وقد استجاب لدعوته تلك أكثرُ النصارى، فجاءوه بحريمهم وأولادهم وأموالهم، وبَقِيَ هو حاكمًا للمملكة منذ تولاها عام 1100م حتى موته عام 1118م. وفاته: بعد استيلاء بلدوين الأول على مدينة الفَرَمَا المصرية عام 1118م، مضى فزار مصب النيل عند فرع "دمياط"، واصطاد هو ومَنْ معه سمكًا من هذا الخليج، ثم عادوا إلى المدينة التي استولوا عليها، فتناولوا طعامَهم مما اصطادوه من سمك، ثم أحس آلاماً شديدة ببطنه، كما عاوده ألمُ جُرْحٍ قديم، فمرض وخارَتْ قُوَاه، ولم يستطع الركوب فحُمِل، وعَبَرَ الركْبُ الباديةَ حتى العريش حيث كان هلاكُه، فحُمِل جثمانُه إلى القدس، ودخلوها يوم الأحد 1118م الموافق عيد الشعانين حيث كان الناس مجتمعين، وقد دُفن في جنازة ملكية بجوار أخيه "جود فري" بالجُلْجُلة أسفل الموضع المعروف باسم كالفاري. المراجع: الحروب الصليبية: وليم الصوري، الجزء الثاني، ترجمة: د. حسن حبش، صـ189 ـ 330. 10- تورانشاه ابن الملك الصالح: هو تورانشاه ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل محمد: ثامن سلاطين الدولة الأيوبية بمصر، وآخرهم، وثالث من سُمّي "الملك المعظّم" منهم. وهو جد ملوك حصن "كيفا" بديار بكر. كانت إقامته في حصن "كيفا" نائبًا عن أبيه، ولما توفي أبوه سنة 746هـ كتمت شجرة الدرّ خبرَ موته، واستدعته، فجاء إلى مصر، والحرب ناشبة بين المصريين والفرنسيين على أبواب المنصورة، فارتدى ملابس السلطان بعد أربعة أشهر من وفاة أبيه، وقاتل الفرنج، فهزمهم واسترد دمياط. ثم تنكر لشجرة الدرّ أرملة أبيه، فحرّضت عليه المماليك البحرية فقتلوه ومثّلوا به في فارسكور سنة 846هـ ـ 0521م. ولم تدم سلطنته أكثر من أربعين يومًا لم يدخل فيها القاهرة ولم يجلس على سرير الملك بقلعة الجبل. وبمقتله زالت دولة بني أيوب بمصر بعد نحو ست وثمانين سنة، وبدأت دولة المماليك. 11- جودفري هو جودفري بن أستاس، ولد بمملكة الفرنجة في مدينة "بولونيا" المطلة على القنال الإنجليزي، كان أبوه "أستاس" أحدَ أمراء هذه الولاية البارزين، وأما أمه فهي "إيدا"؛ من ذوات المكانة في مملكة الفرنجة، كان لها أخ عقيم اسمه "جود فري" فتبنى ابن أخته "إيدا" المسمَّى جودفري، وأوصى له بكل ما يملك، فخَلَفَه جودفري الصغير على الدوقية (الولاية) عقب موته. كان "جودفري" أكبرَ إخوتِه وأكثرَهم جدًا، وُصف بأنه كان طويل القامة، ضخم الساعِدَيْن، عريضَ المنكِبَيْنِ، أشقرَ شعر الرأس واللحية، وكان مقاتلاً يُجيد فنون القتال، ويَتّخذ الحرب حرفةً له. نشأ بين الفرسان والمُقاتِلَةِ فاكتسب كثيرًا من صفاتهم، وقَرَعَتْ سمعَه دعواتُ رجالِ الدين لقتال المسلمين وانتزاع القدس منهم، فتأثر بها كثيرًا، وكان فيما بعدُ على رأس الجيوش الصليبية المتّجهة لاحتلال القدس، حيث تحقق لها ذلك، وتولى هو أمرَ المدينة المقدسة، ولُقِّبَ بـ"حامي القبر المقدس". الدوق جودفري؛ دوق اللورين بمملكة الفرنجة، أشهر قادة الحملة الصليبية الأولى التي انطلقت بتحريض من البابا أوربان الثاني. شارك جودفري في حصار نيقية في مطلع عام 1098م حتى سقطت، ثم انطلق في جيوش الصليبين صوب أنطاكية فحاصروها حتى سقطت هي الأخرى، ثم اتجهوا جنوبًا فاحتلوا مَعَرَّةَ النعمان، وأحرقوها وقَتلوا مُعظم أهلها، ثم احتلوا حصن الأكراد، ثم أَنْطَرطُوس على الساحل الشامي، ثم طرابلس. وتقدم الصليبيون يقودهم جودفري إلى الحدود الفاطمية على نهر الكلب، فدخلوا بيروت، ثم صيدا، ثم صور، حتى بلغوا ضواحي عكّا في 24 آيار (مايو) عام 1099م، فاحتلوها، ثم وصلوا إلى حيفا، فقيسارية، ثم الرمْلة، وفي السابع من يوليو عام 1099 بلغوا أسوار القدس، واحتلوها بعد ثمانية أيام من الحصار والقتال، وكان جودفري أبرز القادة الصليبيين في هذه المعارك، كما كان يشارك في القتال بنفسه. يعتبر الدوق "جودفري" أولَ قائدٍ صليبي تطأ قدماه مدينة القدس بعد قرابة خمسة قرون من فتح عمر بن الخطاب لها عام 16هـ. وكان من أشد الصليبيين على المسلمين في هجومه المتوالي وكَرِّه العنيف، وفي صباح يوم الخامس عشر من يوليو عام 1099م قاد هجومًا خادعًا تمكَّن خلاله من الدفع ببرجه الشهير نحو أسوار المدينة المقدسة، ثم مد جسرًا من البرج إلى السور، وتبعه رجالُه، واقتحموا المدينة، ثم وزع فِرَقَه على بقية الأبواب والأسوار لاستكمال الاستيلاء على القدس، حتى تم له ذلك، فأوسع المسلمين ذبحا وتقتيلاً، وبعد الاستيلاء على المدينة اتفق الصليبيون على أن يتولى جودفري أمر المملكة المقدسة، فأصبح أولَ حاكمٍ لاتينيّ لمملكة القدس، ولُقب بحامي القبر المقدس. كما قام ببعض الغارات على مواقع إسلامية مجاورة غَنِمَ منها غنائم كبيرة، عاد بها إلى القدس، وبقي فيها حتى مات في يوليو عام 1100م، ودفن بكنيسة القبر المقدس. وفاته: بعد سقوط القدس في يد الصليبيين في يوليو عام 1099م وتولية جودفري ملكًا عليها، ظل يدبر أمر مملكته الجديدة ويُحْكِمُ حصونَها، ويتوسع في كنائسها، ويُغدق العطاء على رجال الدين القائمين بأمرها، حتى داهمه مرض شديد في يوليو عام 1100م، فاستحكم الداء من جسده، ولم يُجْدِ معه دواءٌ، فوافَتْه منيَّتُه في اليوم الثامن عشر من يوليو عام 1100م، ودفن في كنيسة القبر المقدس. 12- الحاكم بأمر الله: هـو منصور بن نزار بن معدّ بن إسمـاعيل بن محمد العبيديّ الفاطمي، كنيته أبو علي، ومشهور بلقبه: الحاكم بأمر الله، وأبوه لقبه: العزيز بالله، وجده المعز لدين الله الذي بنى له جوهر الصقلي مدينة القاهرة. وُلد "الحاكم" في القاهرة سنة 375هـ ـ 985م، وكان متقلبًا غريب الأطوار، نُودي له بالخلافة في مدينة بلبيس، بعد وفاة أبيه سنة 386هـ، وعمرُه إحدى عشرة سنة، فدخل القاهرةَ في اليوم التالي، ودفن أباه وباشر أعمال الدولة. وخُطب له على منابر مصر والشام وإفريقِيَّةَ والحجاز. وعُنِيَ بعلوم الفلسفة والنظر في النجوم. واتخذ بيتًا في المقطّم ينقطع فيه عن الناس، ثم ادّعى الألوهية، وأُعلنت الدعوة إلى تأليهه في مساجد القاهرة سنة 407هـ، وفُتح سِجِلٌّ تُكتب فيه أسماءُ المؤمنين به، فاكتتب من أهل القاهرة سبعة عشر ألفًا، كلهم يخشون بطشَه. وتحوَّلَ لقبُه حينئذ من "الحاكم بأمر الله" إلى "الحاكم بأمره". وقام بنشر دعوته محمدُ بن إسماعيل الدرزي، وحسنُ بن حيدرة الفرغاني، وكادا يَفْشَلان، فظهر حمزةُ بن علي بن أحمد سنة 408هـ، فقَوِيَتْ به دعوةُ تأليهِ الحاكم عند شيعته. كان الحاكم بأمر الله يأتي متناقضاتٍ عجيبةً؛ يأمر بالشيء ثم يعاقب عليه، ويُعلي مرتبة الوزير ثم يقتله، ويَبني المدارس وينصب فيها الفقهاءَ، ثم يهدمها ويقتل فقهاءَها. ومن عجائبه إلزامُه كلَّ يهودي أنْ يجعل في عنقه جرسًا إذا دخل الحمام. وأسرف في سفك الدماء، فقتل كثيرين من وزرائه وأعيان دولته وغيرهم، واستهتر في أعوامه الأخيرة، فلم يكن يبالي ما يقال عنه، وصار يركب حمارًا، ويُكثر من الخروج. وأصابَ الناسَ منه شرٌّ شديدٌ، حتى فُقد في إحدى الليالي سنة 411هـ ـ 1021م، فيقال: إن رجلاً اغتاله غيرةً لله وللإسلام، ويقال: إن أخته "ست الملك" دسَّت له رجلَيْنِ اغتالاه وأخْفَيَا أثَرَه. وأعلن حمزة بن علي أن الحاكم "احتجب وسيعود لنشر الإيمان بعد الغيبة". قال الذهبي: "وهناك طائفة من طغام الشيعة الإسماعيلية يَحلفون بغيبة الحاكم، ما يعتقدون إلا أنه باقٍ وأنه سيظهر"! وأخبار الحاكم بأمر الله كثيرة جدًا، أورد بعضَها المقريزيّ.. وبيْن كُتب الدروز بضعُ رسائل، يقال: إنها من إنشاء الحاكم بقلمِه، منها: "خبر اليهود والنصارى"، و "السجل الذي وجد معلقًا على المساجد"، و "السجل المنهي فيه عن الخمر". وفي الذريعة إلى تصانيف الشيعة: "كتاب التعويذ في صناعة الإكسير، ألفه الحاكم منصور بن نزار الفاطمي لولده الطاهر بالله علي بن منصور". 13- الحسين بن طلال هو الحسين بن طلال بن عبد الله بن الحسين شريف مكة، ملك المملكة الأردنية الهاشمية، ولد بعمان بالأردن، وقد خلف أباه الملك طلال في اعتلاء عرش الأردن عام 1952م. تلقى تعليمه وتدريبه بالأردن وإنجلترا. اهتم الملك حسين داخليا بالأمن ورفاهية المواطنين، وانتهج سياسة الاعتماد على الذات، خاصة فيما يتعلق بالأمن الغذائي. وعلى المسار الخارجي اهتم بتقوية علاقاته مع جيرانه العرب والحفاظ على سياسة مرنة مع الغرب عامة والإنجليز خاصة. في عهده دمرت القوات اليهودية قرية السموع الأردنية عام 1966 ، واشترك مع العرب في حرب 1967 وقد دُمر الطيران الملكي الأردني فيها. أعلن انفصال الضفة الغربية والقطاع إداريا عن الأردن عام 1988 . ووقَّع معاهدة سلام مع اليهود عام 1994، وجرى بعد ذلك التطبيع والتمثيل الدبلوماسي مع الإسرائيليين. وقبل انتهاء القرن العشرين رحل الملك حسين عن الدنيا عام 1999 بعد صراع مع السرطان. 14- الظاهر خُشْقَدَم: هو خُشْقَدَم بن عبد الله الناصريّ المؤيديّ، أبو سعيد، سيف الدين، السلطان الظاهر: أول ملوك الروم بمصر والشام والحجاز. وُلد ـ تقريبًا ـ سنة 795هـ ـ 1393م. كان مملوكًا للخوجه ناصر الدين ـ وإليه نسبتُه ـ واشتراه منه "المؤيد" شيخ بن عبد الله، بمصر وأعتقه واستخدمه. ثم عينه الظاهر جقمق "مقدم ألف" في دمشق سنة 850هـ، وأعيد إلى مصر، فعينه الأشرف أينال "أمير سلاح"، ثم ولاه المؤيد أحمد "أتابكيّة" العساكر، وهي من أعلى الرتب في الدولة. وثار المماليك على المؤيَّد فخلعوه، ونادَوْا بسلطنة خُشْقَدَم سنة 865هـ، فتلقب بالملك الظاهر. وسَجَنَ بعضَ أمراء الجيش، وقتلَ آخرين، فقامت فتنة أتباعهم، فقمعها، وصفَا له الجو. وكان داهية، مَهيبًا كفؤًا للسلطنة، فصيحًا بالعربية، قليل الأذى إذا قُورن بمن جاء بعده من ملوك الروم. وهدأت البلاد في أيامه، حتى توفي بالقاهرة سنة 872هـ ـ 1467م. 15- ريتشارد قلب الأسد هو ملك الإنجليز ريتشارد الأول، الملقب بقلب الأسد، ولد بأكسفورد في الثامن من سبتمبر عام 1157م، في أسرة أرستقراطية، كابن لهنري الثاني ودوقة أكيتون. وقد أُعْطِي ميراث أمه وهو في الحاديةَ عشرةَ من عمره، وتُوِّج على بويتير عام 1172م. كان ريتشارد الابن الشرعي الثالث لأبيه، وُصف بحدة المزاج، وعدم الشعور بالمسئولية في مقتبل حياته، لكنه كان أكثرَ عائلته ثقافة، فضلاً عن امتلاكه قوة عظيمة، وقدرة سياسية، إضافة إلى كونه محاربًا ماهرًا مقدامًا. عاش ريتشارد حياة أرستقراطية، لكنه نال شهرة عريضة بما شاع عنه من مقدرته السياسية والحربية، فضلا عن قدرته على التحكم في أخلاقه الأرستقراطية التي عادة ما تكون هوجاء لا ضابط لها. الأحوال العامة للقرن الثاني عشر الميلادي الذي عاش فيه ريتشارد اتسمت بالنزاع الداخلي على العرش الإنجليزي، مع بعض المشكلات مع دول الجوار الأوروبي، أما خارج القارة الباردة فقد كان العالم الإسلامي مشغولا بمدافعة الصليبيين عن أرضه. في عامي 1173م، 1174م شارك ريتشارد إخوته في ثورة عظيمة ضد أبيهم الذي اعتدى على إمارة أكيتون مرتين، ثم اعتذر ريتشارد لأبيه وعاد ليخضع له، تولى إخماد الثورة في مملكته. وقد أثارت غلظته طائفة الـ "Gascon" الذين قاموا بثورة عام 1183م مستعينين بالملك الصغير هنري وأخيه جيوفري للإطاحة بريتشارد من دوقيته، لكن هنري الصغير خشي انهيار الإمبراطورية فاكتفى بتعيين كبير إقطاعييه مساعدًا لريتشارد قلب الأسد. ثم ماتت آمال الثائرين بموت هنري الصغير في الحادي عشر من يونيو عام 1183م، وأصبح ريتشارد الوريث لعرش إنجلترا ونورماندي بعد موت أبيه هنري الثاني. وفي نوفمبر عام 1188م أعاد ريتشارد إلى فيليب الأرض الفرنسية التي كانت تحت تصرف إنجلترا، واستعان بفرنسا للضغط على أبيه هنري الثاني لإخضاعه لمطالبه، فعملوا لإجباره على جعل ريتشارد الوريثَ الشرعي للإمبراطورية، فجاءت الأقدار بوفاة هنري الثاني في السادس من يوليو عام 1189م، فتولى ريتشارد الإمبراطورية وتُوِّج ملكًا على إنجلترا.. فلم يَضَعْ أمامه خطة معينة تنهض بمستقبل المملكة، وإنما وجه كل الجهود إلى هدف واحد، هو الإعداد للحرب ضد صلاح الدين الأيوبي والزحفِ على المشرق الإسلامي لاسترداد أورشليم "القدس"، فباع ممتلكاتٍ وضياعًا كثيرة، وجمع أموالاً طائلة، بها أنشأ أسطولاً ضخمًا، وحشد جيشًا جرارًا، انطلق به إلى الأرض المقدسة عام 1190م، مارًا بسيسيل، التي كان أهلها يكنّون له عداءً مفرطًا؛ وعقد معهم معاهدة بمقتضاها أطلق أخته من الأسر لديهم، وأعلن تانكرد ملكًا عليهم، واتخذ آرثر ابن أخيه وريثًا شرعيًا للعرش، وزوّجه من ابنة تانكرد، مما أثار حفيظة الألمان المشاركين له في الحملة الصليبية، فضلاً عن إثارة أخيه عليه. كان ريتشارد الملك الإنجليزي العنيد هو قائد الحملة الصليبية الثالثة على القدس، وإلى جانبه مَلِكَا فرنسا وألمانيا، وأمراء آخرون، تحرك بجيوشه إلى الأرض المقدسة عام 1190م، وفي الطريق إليها استولى على قبرص في الثامن من يونيو عام 1191م، وفي يوليو من نفس العام استطاع الاستيلاء على عكا، وفي السابع من سبتمبر استولى على أرسوف، وأصبح على أبواب القدس، لكن الجيوش الصليبية ما لبثت أن اختلفت فيما بينها، واشتعلت المعارك بين أفرادها من فرنسيين وألمان وإنجليز، وتوقف زحفُها ووقفت عاجزة عن التقدم أمام المقاومة الإسلامية القوية. وعَزل ريتشارد دوق النمسا وحلّ لواءه، وقاتل فيليب أغسطس الذي عاد إلى فرنسا بعد استيلاء الصليبيين على عكا، ثم احتدم خلافُ ريتشارد مع الألمان على ولاية أمر القدس بعد أن تسقط بأيديهم؛ إذْ كان كل منهما يريد أن يعين والياً من قِبَلِه عليها، لكنهم أرجأوا الخلاف، وحاصروا المدينة وقاتلوا المسلمين عامًا كاملاً دون جدوى، فاضطر ريتشارد لعقد هدنة مع السلطان الناصر صلاح الدين سمحت للصليبيين بالبقاء في عكا مع احتفاظهم بشريط ساحلي ضيق، إضافة إلى السماح لحُجّاجهم بدخول الأرض المقدسة وأداء طقوسهم الدينية. وعاد ريتشارد إلى بلاده بعد أن فشل في الاستيلاء على القدس، وفي طريق عودته حاول الابتعاد بأسطوله عن أعدائه على الساحل الفرنسي، إلا أن عاصفة ألقتْه بالقرب من فينيسيا بإيطاليا، فحاول التخفي، لكن أمره انكشف، وقبض عليه وسجن في قلعة على نهر الدانوب، ثم سُلم لهنري السادس الذي استبقاه رهينة، ثم فَرض عليه فدية كبيرة وأطلاق صراحه. وفاته: قضى ريتشارد آخر أعوامه في حرب مع فيليب الثاني الفرنسي، وقد تخللتها بعض فترات الهدنة، وفي السادس من أبريل عام 1199م قُتل ريتشارد بدوقية أكيتون، ودفن في كنيسة دفن فيها أبوه هنري الثاني من قبل. ولم ينجب ريتشارد أولادًا من زوجته الشرعية، لأنه كان شاذًا جنسيًا، على عكس أبيه الذي كان كثير الأبناء من زوجته الشرعية، متعدد العلاقات بصديقات غير شرعيات. 16- أبو العباس السفّاح: هو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، كنيته أبو العباس؛ وهو أول خلفاء الدولة العباسية، وأحد الجبارين الدُّهاة من ملوك العرب. ويقال له "المرتضى"، و"القائم". وُلد بالشراة بين الشام والمدينة سنة 401هـ ـ 227م، ونشأ بها، وقام يدعو لاستخلافه أبو مسلم الخراساني مقوِّضُ عرش الدولة الأموية، فبويع له بالخلافة جهرًا في الكوفة سنة231هـ. وصَفَا له المُلك بعد مقتل مروان بن محمد (آخر خلفاء الأمويين في الشام)، وكافأ أبا مسلم بأنْ ولاه خراسان. وكان أبو العباس شديدَ العقوبة عظيمَ الانتقام، تَتَبّع بقايا الأمويين بالقتل والصلب والإحراق حتى لم يبق منهم غير الأطفال والفارّين إلى الأندلس. ولقب بالسفاح لكثرة ما سفح من دمائهم. وكانت إقامته بالأنبار، حيث بني مدينة سماها "الهاشمية" وجعلها مقر خلافته. وهو أول من أحدث الوزارة في الإسلام، بينما كان الأمويون يتخذون رجالاً من الخاصة يستشيرونهم في بعض شئونهم. كان أبو العباس سخيًا جدًا، وهو أول مَنْ وصل بمليوني درهم من خلفاء الإسلام. وُصف بالفصاحة والعلم والأدب، وله كلمات مأثورة. كانت في أيامه ثورات قمعتْها القوة وفُتُوّةُ المُلك. ومرض بالجدري فتوفي شابا بالأنبار سنة 631هـ ـ 457م. 17- السلطان سليم الأول: هو سليم الأول ابن السلطان بايزيد الثاني العثماني. ولد سنة 1470م، قبيل تحول العثمانيين من التوسع في أوروبا إلى التوسع في المشرق الإسلامي؛ وقد حدث هذا التحول نتيجة لازدياد النمو الشيعي في إيران والعراق، وتهديد الدولة الصفوية هناك للعثمانيين، وضربها لدولتهم من الخلف أثناء انطلاقاتها في أوروبا، إضافة إلى تنامي الخطر البرتغالي في الخليج العربي وجنوب البحر الأحمر، وتهديده للأراضي المقدسة، وعجز المماليك عن مواجهتهم، فضلاً عن تحالف المماليك مع الصفويين الشيعة ضد الدولة العثمانية. ووقع الصدام بين الصفويين والعثمانيين، وحقق سليم الأول بن بايزيد الثاني انتصارات كبيرة، غير أن أباه "بايزيد الثاني" أمره بالانسحاب مما استولى عليه، فثار الجيش وأجبر السلطان على التنازل عن العرش لابنه سليم، فتولى العرش سنة 1512م، وقاتل الصفويين وانتصر عليهم في معركة "جالديران" ، ودخل العاصمة الإيرانية "تبريز". وكان انتصار البرتغاليين على المماليك في معركة "ديو" البحرية سنة 915هـ ـ 1509م سببًا دفع المنتصرين إلى تهديد الأراضي المقدسة، والإعلان عن عزمهم قصف مكة والمدينة، فلم يكن بد من تصدي العثمانيين لهم؛ لحماية الحرمين والقضاء على الخطر البرتغالي جنوب البحر الأحمر. واصطدم العثمانيون بالمماليك في مرج دابق سنة 923هـ ـ 1517م، وانتصروا عليهم وقُتل في المعركة السلطان الغوري، وفي الريدانية كان نصر آخر، فدانت مصر والشام وفارس والجزيرة العربية واليمن لحكم العثمانيين بقيادة السلطان سليم الأول، وصار الحرمان الشريفان بمكة والمدينة، وثالثهما بالقدس تحت سلطانه. ونُودِيَ به سلطانًا وخليفة للمسلمين وخادمًا للحرمين الشريفين، فكان أول خليفة من آل عثمان. وتقول إحدى الروايات: إن الخليفة العباسي المتوكل على الله محمد ابن المستمسك بالله تنازل عن الخلافة لبني عثمان في مراسم جرت في مسجد "آيا صوفيا" بعد عودته مع السلطان سليم إلى استانبول. وفي سنة 926هـ ـ 1520م ، أصيب السلطان سليم الأول بُخرّاج صغير في ظهره، فمات منه في هذه السنة. 18- سليمان بن عبد الملك: هو سليمان بن عبد الملك بن مروان، أبو أيوب: الخليفة الأموي. ولد في دمشق سنة 45هـ ـ 476م. وُصف بأنه كان طويلاً جميلاً أبيض كبير الوجه مقرون الحاجبين فصيحًا بليغًا، أَكُولاً. ولي الخلافة يوم وفاة أخيه الوليد سنة 69هـ، وكان بالرمْلَة، فلم يتخلف عن مبايعته أحد، فأطلق الأسرى وأخلى السجون وعفا عن المجرمين، وأحسن إلى الناس. وكان عاقلاً طموحًا إلى الفتح، جهز جيشًا كبيرًا وسيّره في السفن بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك؛ لحصار القسطنطينية. وفي عهده فتحت جرجان وطبرستان التي كانت في أيدي التُّرك. وتوفي في دابق، من أرض قِنَّسْرِين بين حلب ومعرّة النعمان، بعد خلافة امتدت سنتين وثمانية أشهر إلا أيامًا واستخلف بعده عمر بن عبد العزيز. 19- سليمان القانوني: هو سليمان الأول، القانوني، ابن السلطان سَليم الأول، ابن السلطان بايزيد الثاني. كان واحدًا من أعظم سلاطين الإمبراطورية العثمانية، وعَاشِرَ ملوك آل عثمان، يعد واحدا من شخصيات التاريخ العالمي، اعترف الجميع بعظمته، ولقبه الغربيون بسليمان الأكبر. ولد في غُرّةِ شعبان سنة 900هـ ـ 27 أبريل عام 1495م. واعتلى العرش شابًا بعد موت أبيه السلطان سليم الأول عام 926هـ ـ 1520م. كان يستهلّ رسائلَه بالآية الكريمة: "إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم". وكان من عباقرة سلاطين الأرض، حَكَمَ إقليم كافا بالقرم لمدة ثلاث سنوات منذ كان عمره 14 عامًا، في عهد جده بايزيد الثاني، وانتقل في عهد أبيه إلى ولاية أخرى، وبرزت في شخصيته جوانبُ نبوغ كبير في شتى أنشطة الحياة. وُصف بأنه كان طويل القامة، نحيفًا، أنفُه كأنف النسر، وعيناه سَوْدَاوَان، واسعتان، كان مظهرُه الجسماني وسلوكُه موحيًا بصورة ملك قويّ عظيم. كان سليمانُ ذَا سموٍّ أخلاقيّ، مُخْلِصًا فاضلاً في حياته الخاصة، متفقهًا في أمور الدين، وَرِعًا، صار إلى تقشف صارم مع تقدم العمر، صُلْبًا لا يُبالي بكل تقلبات القَدَرِ. تُمَثِّل فترة حكم سليمان القانوني واحدةً من أهم مراحل الخلافة الإسلامية، التي عمَّ أثرُها شتى نواحي الحياة: العسكرية، والعلمية، والأدبية، والمعمارية، والاجتماعية، والاقتصادية، والإداريةٍ. كان قد تولى الخلافة شابًا، بعد وفاة أبيه، فظنَّه بعضُ الوُلاةِ ضعيفًا قليلَ الخبرة، ونَزَعُوا إلى التمرد والاستقلال بأجزاء من الإمبراطورية الشاسعة، لكنه عَاجَلَهُمْ بضرباتٍ موجِعَةٍ قَضَتْ على الفتن، فنَعِمَت البلاد برخاء عظيم وطمأنينة وسكينة، وساد العدلُ بين رعاياه المسلمين وغير المسلمين، وكان يَتفقَّد بنفسه أحوال الولايات متنكِّرًا، ويبعث رجالَ استخباراتِه للقيام بذلك، واتجه إلى توسيع حدود بلاده، ونَشْرِ الإسلام غربا وشرقا، فقاد الجيوش بنفسه، مقتديًا بأبيه سليم الأول، حتى كاد المعمورُ من الأرض يومئذٍ أنْ يَدِينَ له بالطاعة والولاء، وسادت القناعةُ لدى ملوك أوروبا بِأَنْ لا قوة في الأرض تستطيع التصدي لسليمانَ القانوني. كان سليمان يقود جيوشه بنفسه، حرصا على توجيه المعارك وقيادتِها حيث تدور، مقتديًا في ذلك بأبيه. وقد أحسن انتقاءَ رجاله وقواده، وانطلق بجيوشه الحديثة نحو أوروبا للفتح والجهاد، فحقق ما جعله رمزًا للعظمة والقوة أمام الغرب والشرق على السواء. وقد تمكنت الإمبراطورية في عهده وعهدِ أسلافِه من ضم مِساحات شاسعة إليها، شملت دولاً من قارات العالم القديم الثلاثِ؛ فمن أوروبا: المجر، ورومانيا، ويوغوسلافيا، وبُلغاريا، وألبانيا، واليونان، وأوكرانيا، والقرم. ومن آسيا: تركيا، والعراق، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، وشمالُ اليمن وعدن. ومن أفريقيا: مصر، وسواحل السودان، وأثيوبيا، وليبيا، وتونس، والجزائر. وفي سبيله لإخضاع المجر، أرسل إلى ملكها مُخَيِّرًا إياه بين الإسلام والجزية والحرب، فقَتَلَ ملكُ المجر رسولَ السلطان، ومِنْ فورِهِ زحف سليمان بجيوشه فهاجم بلجراد، وبعد مقاومة شديدة استطاع فتحَها في الخامس والعشرين من رمضان سنة 926هـ، وبذلك سقط في يده أمْنَعُ حِصن للمَجَرِيّين، مما ساعد الإمبراطورية العُظمى على فتح ما وراء نهر الدانوب من الأقاليم والبلدان، فلم تَقُمْ لجيش المجر بعد ذلك قائمة، وخضعت لسلطان الدولة العثمانية العليّة. وعقب فتح بلجراد بادر قيصر الروس بتهنئة السلطان القوي بانتصاره، وكذلك فَعَلَ زعماء البندقية وراجوزة. وفي عام 928هـ ـ 1522م فَتَحَ جزيرة رودس؛ أقوى قلعةٍ بحرية يومئذ، بعد انتصار مُدَوٍّ على حكامِها فرسان القدّيس يوحنا. وفي المحرم من سنة 936هـ - السابع والعشرين من سبتمبر من سنة 1529م وصل الجيش العثماني الزاحف في مائة وعشرين ألف مقاتل إلى أسوار فيينّا، وضرب السلطان حصارَه حولها، فانسحب فرديناند؛ الذي هزمه السلطان في المجر من قبل، ولم يبق في المدينة سوى عشرين ألف جندي للدفاع عنها، وقد صمدوا أمام الحصار، متحصنين بالأسوار الهائلة، واشتد برد الشتاء، وساءت أحوالُ المُناخ، ونفد طعام الجيش، فرفع السلطانُ الحصار عنها بعد حوالي شهر، وبعد وفاة ملك المجر الخاضع لسلطان العثمانيين حُوِّلت هذه المملكة إلى ولاية تابعة للدولة العليّة، وفي 19 يونيو 1547م، أعلنت النمسا خضوعَها وتبعيتها للإمبراطورية العثمانية العظمى. وقد سعى السلطان القانوني لتحييد فرنسا عن المعسكر الصليبي الأوروبي، الذي كان يكرر حملاته على الدولة العثمانية، وتتكرر معها هزائمُه، فأمدَّ فرنسا بمعونات، وخصَّها بميزات تجارية. ووصل الجيش العثماني في عهد سليمان إلى أَوْجِ عظمتِه، مُتَدَرِّعًا بمدفعيّته الحديثة؛ القوةِ الضاربة التي استطاعت في 29 من أغسطس 1526م، وهي تُقاتل الجيش المجري ـ استطاعت أن تدمر في ساعتين سلاح الفرسان المجريَّ الثقيل المدرع بالحديد، حيث هلك الملك لويس الثاني في المعركة، وانفتح الطريق إلى مدينة "بودا" التي دخلها سليمان في سبتمبر من نفس العام. كما وصلت صناعة الأسلحة عامة إلى القمة بإضافة وحدة متخصصة للألغام، وأخرى للقنابل. وفي سنة 1565م سقطت قبرص، وكريت، وجزر أخرى في يد الجيش العثماني، الذي وصل إلى حدود بولندا. لم يكن بُعْدُ القدس عن عيني السلطان سليمان القانوني مقللاً من رعايتِه لها ومبالغته في الاهتمام بشأنها، مثلها مثل الحرمين بمكة والمدينة؛ فإليه يرجع الفضلُ في تجديد عمارة سورِها وبعض أبراجِها، وأَسْبِلَتِها، فضلاً عن تعميره قبةَ الصخرة سنة 950هـ ـ 1542م وإعادةِ تبليطِها، يضاف إلى ذلك تعميرُه لجُدران الحرم وأبوابِه، وتجديدُه قبةَ السلسلة، وقيامُ زوجتِه روكسيلانة بإنشاء "تكيّة خاصكي سلطان" سنة 1552م؛ لِيَطْعَمَ ويَبِيتَ فيها الفقراءُ. وفي عهده أُنشيء بالقدس مسجدُ الطور سنة 1537م. وكُلف مَنْ يقوم بحراسة الدرب السلطاني بين القدس ويافا، ولم تَلُحْ حاجةٌ للمدينة المقدسة إلا بادر بقضائها. وفاته: بينما جيوش السلطان القوي سليمان القانوني تنتشر في الأرض، وتفتح البلادَ، تُوفي السلطان الكبير في ربيع الأول من سنة 974هـ - سبتمبر من سنة 1566م، أثناء حصار أحد المواقع المهمة، والذي فُتح عقب موته بيومين. 20- المظفر قطز: هو قطز بن عبد الله المعزي، سيف الدين: ثالثُ ملوك التُّرك المماليك بمصر والشام. يقال: إن اسمه محمود بن ممدود، وإن أمه أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه، وإن أباه ابن عم السلطان جلال الدين، وإنما سُبِيَ عند غلبة التتار، فبِيعَ بدمشق، ثم انتقل إلى القاهرة. كان مملوكًا للمعز "أيبك" التركماني، وترقَّى إلى أن كان في دولة المنصور بن المعز "أتابك" العساكر. ثم خَلع المنصور بفتوى من العز بن عبد السلام، وتسلطن مكانه سنة 657هـ، وقرَّب الأميرَ ركنَ الدين "بيبرس" البندقداري وجعله "أتابك" العساكر، وفوض إليه جميع أمور المملكة. ونهض لقتال التتار، وكانوا بعد تخريب بغداد قد وصلوا إلى دمشق، وهددوا مصر؛ فجمع الأموال والرجال، وخرج من مصر، فلقي جيشَهم في "عين جالوت" بفلسطين، فكسره سنة 658هـ، وطارد فُلوله إلى بيسان، فهزمهم شر هزيمة، ودخل دمشق في موكب عظيم، وعزل مَنْ بقي من أولاد بني أيوب، واستبدل بهم من اختار من رجاله. ورحل يريد مصر. وبينما هو في الطريق تقدم منه أتابك عسكره "بيبرس" ووراءه عدد كبير من أمراء الجيش، فتناولوه بسيوفهم فقتلوه سنة 658هـ ـ 1260م لسوء ظن. ودفن بالقصير. ثم نقل إلى القاهرة. 21- شارلمان: هو الملك كارلوس الكبير وُلد سنة 247م، وتملك على فرنسا سنة 867م، واتسعت مملكته سنة 008 م حتى شملت جزءًا كبيرًا من أوروبا الغربية. عاصر هارون الرشيد، وكانت بينهما صلات حسنة، فكانا يتهاديان التحف والأشياء الثمينة. توفي شارلمان سنة 418م. 22- الصالح إسماعيل الأيوبي: هو إسماعيل (الصالح، عماد الدين) بنُ محمد بن أبي بكر (العادل) ابن أيوب: من ملوك الدولة الأيوبية. قالوا في وصفه: كان ملكًا شهمًا محسنًا لحاشيته، كثير التجمل. كان سلطانًا بدمشق سنة 536هـ بعد وفاة أخيه الأشرف. وجاءه الملك الكامل فأخذها منه بعد حصار. ورحل إسماعيل إلى بعلبك، ثم هاجم دمشق وملكها في صفر سنة 736هـ ، وفي سنة 836هـ أجرم بتسليمه قلعة الشقيف للفرنج لغرض في نفسه؛ فمقته المسلمون، وعارضه العلماء. وأخرجته الخوارزمية من دمشق سنة 346هـ، ثم صالحهم ووالَوْه. وانتهى أمره بالخروج لاجئًا إلى حلب سنة 446هـ وفيها الناصر ابن أخيه. وبينما هو في رحلة معه إلى دمشق أسره بعض رجال صاحب مصر وقتلوه سنة 846هـ ـ 1521م. 23- صالح بن علي العباسي: هو صالح بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي، عم السفّاح والمنصور، وأول مَنْ وَلِيَ مصر من قِبَل الخلفاء العباسيين. وُلِدَ سنة 69هـ ـ 417م بالشّرَاة من أرض البلقاء، وهو الذي تعقّب مروانَ بن محمد ـ آخرَ خلفاء بني أمية ـ لما فر من الشام، وقتله ببوصير في مصر سنة 231هـ، فولاه أبو العباس السفاحُ مصرَ في أوائل سنة 331هـ، فأقام سبعة أشهر وأيامًا، فَتَكَ فيها بكثيرين من أشياع بني أمية. وضُمت إليه ولاية فلسطين، فانتقل إليها. ثم ورد كتاب بولايته على مصر وفلسطين وإفريقيّة، فعاد إلى مصر سنة 631هـ، وولي الخلافة أبو جعفر المنصور في هذه السنة فأمره بالعودة إلى فلسطين، ثم جعل ينقله إلى أنْ أقَرّه بالجزيرة، فكانت له الديار الشامية كلها. وأنشأ مدينة أذنة في الأناضول، وكسر الروم في وقائع مرج دابق، وكانوا نحو مائة ألف. وتوفي بقِنَّسْرِينَ سنة 151هـ ـ 867م. 24- الصالح نجم الدين أيوب: هو أيوب، الملك الصالح، ابن محمد، الملك الكامل، ابن أبي بكر، العادل، ابن أيوب، أبو الفتوح، نجم الدين: من كبار الملوك الأيوبيين بمصر، وآخر محرر للقدس من يد الصليبيين. ولد سنة 603هـ ـ 1206م بالقاهرة، ونشأ فيها. وولي بعد خلع أخيه العادل سنة 637هـ. وضبط الدولة بحزم. وكان شجاعًا مهيبًا عفيفًا صَمُوتًا، عمر بمصر ما لم يعمره أحد من ملوك بني أيوب، من آثاره قلعة الروضة بالقاهرة. وفي أواخر أيامه أغار الصليبيون على دمياط سنة 647هـ واحتلوها، وأصاب البلاد ضيق شديد، وكان الصالح غائبًا في دمشق، فقدم ونزل أمام الفرنج وهو مريض بالسلّ، فمات بناحية المنصورة سنة 647هـ ـ 1249م، ونقل إلى القاهرة. 25- صلاح الدين الأيوبي هو أبو المُظَفَّر يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان، صلاح الدين، الملقب بالملك الناصر، وأصله من الأكراد من قرية "دوِين" في شرقي أذربيجان. ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة من الهجرة (532هـ)، سبع وثلاثين ومائة وألف للميلاد (1137م) في قلعة تَكْريت التي كان والده قائمًا عليها في عهد السلطان مسعود بن ملكشاه. ولم يقض صلاح الدين من عمره في هذه القلعة سوى ليلة واحدة؛ إذ انتقل أبوه حينها بأهله إلى الموصل حيث أقام عامين، ثم انتقل إلى بعلبك عام أربعة وثلاثين وخمسمائة من الهجرة (534هـ) وظل بها حتى بلغ صلاح الدين التاسعة من عمره وتعلم القراءة والكتابة، وحُبِّب إلى نفسه الجهاد في سبيل الله. وكان عمه "أسد الدين شيركوه" قائد قواد حلب، وأبوه قائدَ قواد دمشق، ثم عينه "نور الدين محمود" حاكمًا لدمشق، فشب صلاح الدين بين القواد والفرسان ، ونال من خصالهم الكثير، هذا فضلاً عن تفقهه في دمشق، وتأدّبه ، وروايته الحديث. دخل صلاح الدين مع أبيه نجم الدين أيوب وعمِّه أسد الدين شِيرْكُوَهْ في خدمة السلطان القوي نور الدين محمود بن عماد الدين زَنْكِي، في عصر أمْسَتْ فيه دولة الإسلام دويلات عديدة؛ وفي كل دولة ملوك وأمراء لهم سِيَرٌ عجيبة، كما كان للصليبيين في أنطاكيّة إمارة، وفي القدس مملكة، وفي طرابلس والرُّها ويافا سطوة عقب موجات من الحروب الصليبية، وكان نور الدين محمود رجلاً صُلْبًا يتولى قيادة المسلمين في مواجهة الصليبيين. وانطلاقًا من الرغبة في توحيد المسلمين وجمع شتاتهم، شرع نور الدين في ضم بلاد مجاورة إلى سلطانه بالقوة، لنُزُوع أمرائها إلى الاستقلال والتشتت؛ فسيَّر رَجُلَه أسدَ الدين شِيرْكُوَه عَمَّ صلاح الدين بجيش إلى مصر عام 955هـ ـ 4611م لإدخالها في طاعته، وكان صلاح الدين أحد رجال جيش عمِّه، وعمره يومئذ لا يتجاوز السابعة والعشرين. بدأ صلاح الدين جنديا في جيوش الزَّنكيين يسير مع أبيه وعمه، ثم كان سندا كبيرا لعمه أسد الدين شيركوه في مصر، خاصة في مواجهة الوزير الفاطمي "شاور" الذي استعان بالصليبيين على المسلمين. وبعد وفاة أسد الدين انتقلت الوزارة في مصر إلى ابن أخيه صلاح الدين، الذي قام بواحد من أهم أعماله حين ألغى الخلافة الفاطمية في مصر، ودعا على المنابر للعباسيين ولنور الدين محمود. ثم توفي نور الدين عام 569هـ، فلاحَتْ بوادر التنازع والفُرقة بين المسلمين، وطمع الأمراء والقواد في المُلْك، ووجدها الصليبيون فرصة للسيطرة على الشام كله، فأرسلوا أساطيلهم من جزيرة صقلية إلى الإسكندرية ودمياط؛ لعزل مصر عن الشام، لكن صلاح الدين أغرق سفنَهم وأمعن في قتلهم، وأبطل خُططهم. واستُدْعِيَ لإعادة الاستقرار إلى بلاد الشام، فزحف برجاله إلى دمشق وسيطر عليها عام 570هـ، وامتد سلطانُه من الشام شرقًا إلى أقصى غرب مصر، وعمرُه يومئذ يناهز الأربعين، ثم استولى على حماة وبعلبك وحمص وحلب التي صالح أهلَها، ثم نقضوا العهد وتحالفوا مع الصليبيين، فألحق بهم هزيمة نكراء، وبذلك قامت الدولة الأيوبية التي دانت بالولاء للخلافة العباسية. امتد سلطانُ صلاحِ الدين من مصر إلى الشام، فراح يحاصر الصليبيين، فزلزل الأرض من تحت أقدامهم، وظل ممتطيًا جوادَه مرابطًا ومجاهدا في سبيل الله، واسْتَنْفَرَ أمراءَ جميعِ البلاد الإسلامية لحشد جيوشها خلفَه، وكتب إلى قادة الموصل، وديار الجزيرة، وإربل، وغيرها. وخرج هو من دمشق أواخر المحرم سنة 385هـ 7811م، وتجمعت جيوش الشام تحت قيادة ابنه الملك الأفضل عليّ، ثم توجه هو إلى بر طريق الحجاج إلى مكة لحمايتهم ومنع الصليبيين من الإغارة عليهم، ففر الصليبيون لما علموا بذلك. وتحت قيادة الناصر صلاح الدين احتشد جيشٌ قوامه اثنا عشر ألف مقاتل من الفرسان، عدا المتطوعة والمشاة، في مواجهة ثلاثة وستين ألفًا من الصليبيين، على مقدمتهم كونت طرابلس "ريموند"، وتولَّى الملكُ "جاي" القلبَ، وقادَ المؤخرةَ "رينالد شاتيون"، المعروف بـ"أرناط". وكان اللقاء الصعب في حطين، والذي حُسمت نتيجته تماما لصالح المسلمين، حتى أسروا ملوك الصليبيين. وعفا صلاح الدين عن هؤلاء الملوك جميعا، سوى "أرناط" الذي تعرَّض لقافلة من الحجاج المسلمين وقتلهم ونهبهم وسب النبي - صلى الله عليه وسلم، فقتله صلاح الدين بيده. واستسلمت قلعة طبريّة للمسلمين في اليوم التالي: السادس والعشرين من ربيع الآخر عام 385هـ، ثم استولت قوات المسلمين على عكا، وحُررت صيدا دون قتال، ثم بيروت، ثم دخلوا عسقلان، وتبع ذلك تحرير غزة، وكان جملة ما افتتحه صلاح الدين في هذه الفترة الوجيزة خمسين بلدًا كبارًا، كل بلد له مُقاتِلَةٌ وقلعةٌ ومَنعَةٌ، وغَنِمَ جيش المسلمين غنائم عظيمة وسَبَوْا خلقًا كثيرًا.. للسلطان الناصر مواقف عديدة ومشهورة مملوءة بالرحمة والعفو عند المقدرة، فبعد انتصار حطين عفا عن ملوكهم، ورد زوجاتهم إليهم، وقصته معروفة في بحثه عن طفل فقدته امرأة صليبية في الحرب، فرده إليها سالما معافى. وقد أجبرت هذه المواقف أعداء صلاح الدين أنفسهم على الإعجاب به وتقديره. إذا كان كثيرٌ من القادة والعظماء وثيقي الصلة بالقدس، فإن صلاح الدين من أوثقهم بها صلةً، وحسبُه أنه أول محرر لها بعد عقود من خضوعها لسلطان الصليبيين، إلى جانب بسالته في الحفاظ على النصر المبين الذي حققه باستردادها، حين تصدى لجيوش الحملة الصليبية الثالثة، واستطاع مع قلة ما وصله من مدد من الأمصار الإسلامية، أن يصمد في وجه الطوفان الصليبيّ الزاحف. ولصلاح الدين جهود كبيرة في العمران داخل القدس، فقد رمم مساجدها، ورفع التشويهات التي أدخلها الصليبيون على المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة، كما بنى بالحرم "المدرسة الصلاحية" لنشر علوم الشرع، وأقام بعض الربط والتكايا لرعاية الفقراء. وفاته: ردَّ صلاح الدين جحافل الصليبيين عن القدس، وكتب بينه وبينهم كتاب صلح فيما سمي بصلح الرملة، حفظ للمسلمين الأرض المقدسة، ثم خرج إلى دمشق، واستهلت سنة تسع وثمانين وخمسمائة من الهجرة (589هـ) وهو في غاية الصحة والسلامة، ثم اعْتَرَتْهُ الحُمّى، واشتدت به الحالُ ليلة الأربعاء السابع والعشرين من صفر، فاستَدعى شيخًا قارئا؛ ليبيت عنده يقرأ القرآن ويلقِّنه الشهادة إذا حضره أجله، فحضر الشيخ، وظل يقرأ القرآن حتى أسلم صلاحُ الدين روحَه إلى ربه ـ سبحانه وتعالى ـ مبتسمًا متهلل الوجه، والقرآن مِلْءُ سمعِه وقلبِه. وقد حَضَرَهُ أولادُه، وكانوا سبعةَ عشرَ ذكرًا ، وأنثى واحدة. وغسَّله الفقيه الدولعي خطيب البلد، وكفنه وجهزه القاضي الفاضل، وأمَّ الناسَ عليه القاضي محيي الدين بنُ الزكيّ، ودُفن في داره بالقلعة المنصورة بدمشق، وكان له من العمر سبعٌ وخمسون سنة. 26- الظاهر جقمق: هو جقمق العلائي الظاهري، سيف الدين، أبو سعيد: من ملوك دولة المماليك الشراكسة بمصر والشام والحجاز. شركسي الأصل، وهو الرابع والثلاثون من ملوك التُّرك، والعاشر من ملوك الشراكسة، اشتراه العلائي علي بن أينال اليوسفي، وقدمه إلى الملك الظاهر برقوق، فأعتقه واستخدمه. وحُبس في أيام الملك الناصر فرج، ثم أُطلق وولي أعمالاً في دولتي الملك المؤيد شيخ، والظاهر ططر؛ إلى أن صار "أتابك" العساكر في دولة الأشرف برسباي. ولما مات الأشرف وولي ابنُه العزيز يوسف سنة 841هـ بقي جقمق "أتابك" ومدبِّرًا للدولة. وقام بعض المماليك فخلعوا العزيز، وولَّوا جقمق السلطنة، فانتظم له الأمر. قال ابن إياس: "كان ملكًا عظيمًا جليلاً ديّنًا متواضعًا كريمًا، هدأت البلاد في أيامه من الفتن، وكان فصيحًا بالعربية، متفقهًا، له مسائل في الفقه عويصةٌ يُرجع إليه فيها، وكانت فيه حدّة وآذى بعض العلماء". ووصفه ابن تغري بردي بأنه كان يخلط الصالح بالطالح، والعدل بالظلم، ومحاسنُه أكثرُ من مساوئه. عاش الظاهر جقمق نيفًا وثمانين سنة، وفي آخر عمره اشتد به المرض، فولَّى ولده المنصور على البلاد، ومات بعد ذلك باثني عشر يومًا سنة 857هـ ـ 1453م. 27- الظاهر بن صلاح الدين: هو أبو الفتح المنصور غازي بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، الملقب الملك الظاهر غياث الدين، صاحب حلب. ولد بالقاهرة في رمضان سنة ثمان وستين وخمسمائة 568هـ، وهي السنة الثانية من استقلال أبيه بمملكة الديار المصرية. أعطاه والده مملكة حلب في سنة 582هـ بعد أن كانت لعمه الملك العادل، وعوّض العادل عنها. كان الظاهر ملكًا مهيبًا، حازمًا، متيقظًا، كثير الاطلاع على أحوال رعيته، وأخبار الملوك، عالي الهمة، حسن التدبير والسياسة، باسط العدل، محبًا للعلماء، مجيزًا للشعراء، ويحكَى عن سرعة إدراكه ونباهته أشياء حسنة. وتوفي بقلعة حلب سنة ثلاث عشرة وستمائة 613هـ. 28- الظاهر الفاطمي: هو علي، الظاهر لإعزاز دين الله، ابن منصور، الحاكم بأمر الله، ابن العزيز، ابن المعز، الفاطميّ العبيديّ، كنيته أبو الحسن، وهو من ملوك الدولة الفاطمية. وُلد في القاهرة سنة 395هـ ـ 1005م، وولي بعد وفاة أبيه سنة 411هـ ، بعهد منه، على مصر والشام، وكانت له خطبةُ إفريقيّة، وكانت عَمّتُه "ست النصر" أخت الحاكم بأمر الله، هي القائمة بأمور الدولة؛ لصغر سن الظاهر، واستمرت كذلك إلى أن توفيت سنة 415هـ. واضطربت أحوال الديار المصرية والبلاد الشامية في أيامه؛ وتغلب حسان بن مفرج الطائي شيخ عربان جبل نابلس على أكثر الشام. ودامت دولة الظاهر قرابة ستة عشر عامًا. وكان محبًا للعدل، فيه لين وسكون مع مَيْلٍ إلى اللهو. تُوفي في القاهرة سنة 427هـ ـ 1036م. 29- العادل ابن أيوب هو أبو بكر محمد بن أبي الشكر أيوب بن شاذي بن مروان، الملقب بالملك العادل سيف الدين، أخو السلطان صلاح الدين الأيوبي. أصله من الأكراد الرَّوادية، من قرية "دَوِين" في شرقيّ أذربيجان. ولد بدمشق في المحرم سنة خمسمائة وأربعين من الهجرة (540هـ)، وكان أبوه قائد قواد دمشق، ثم عين حاكمًا لها، بينما كان عمه أسد الدين شيركُوَه قائد قواد حلب، فكان طبيعيًا أن يصير العادل فارسًا مُتْقِنا فنون الحرب والقتال.. كما كان محافظًا على الصلوات في أوقاتها، متَّبِعًا لأرباب السنة، مائلاً إلى العلماء. وُلد العادل بعد أخيه صلاح الدين بثماني سنوات، فعاصر عنفوان الصراع مع الصليبيين لأجل استرداد البقاع المحتلة، بل كان أحد الشخصيات الرئيسية التي اعتمد عليها صلاح الدين في تنظيم دولته وإدارة الحرب ضد الفرنجة، واكتسب العادل من ذلك خبرة عميقة، ساعدته فيما بعد على تجميع الكثير من أجزاء دولة أخيه الراحل صلاح الدين تحت سلطانه، وحمايتِها من هجمات الصليبيين الشرسة. كان جهاد الملك العادل قرينًا بجهاد أخيه السلطان الناصر صلاح الدين، فقد شهد معه حروبه كلَّها أو أكثرَها، بدءًا من دخول دمشق، حتى استيلائه على حمص وحماة وحلب، وانتصارِه في معركة حطين عام 583هـ التي مهدت لاسترداد بيت المقدس، بتمزيق أكبر جيوش الصليبيين. كان العادل بعدما مَلَكَ صلاحُ الدين مصر ـ ينوب عنه في حال غيبته، وقد خَلَفه بعد وفاته على جزء من مملكته، ثم اتسع مُلْكه بعد ذلك بمرسُوم من الخليفة العباسي، فامتد من بلاد مصر واليمن والشام والجزيرة إلى هَمْدان كلِّها، سوى حلب، التي أقرها بيد ابن أخيه الظاهر غازي، زوجِ ابنته الست صفية خاتون. ولقد اعتُبر الملك العادل سيف الدين أبو بكر من خيار الملوك وأجودهم سيرة، فهو أعظم سلاطين الأيوبيين بعد صلاح الدين، ذاع صيته بين ملوك أوروبا فهابوه، وجاهد الفرنج بقوة، وكانت له في ذلك اليد البيضاء. كان العادل وزيرًا للعزيز ابن أخيه صلاح الدين على مصر، وبوفاة العزيز عام 595هـ ـ 1199م، آل المُلْك إلى ابنه المنصور وهو طفل في التاسعة من عمره، فاضطربت الدولة وأوشكت على الانهيار تحت حكم الملك الصغير، فما كان من الملك العادل إلا أن جمع العلماء والفقهاء للتشاور فيما يجب فعلُه، فأفتوه بوجوب تولِّيه هو عرش مصر؛ لحفظ مصالح العباد والبلاد، فأحسنَ إدارةَ شئونِها وأصلَحَ ما فسد من أمورها، وكان الرجلَ المناسب لتلك المحنة. ولم يكن الملك العادل يترك للصليبيين فرصة للمَساس ببلاد المسلمين، بل ناجزهم حيثما حَلّوا فأوْقَعَ بكثير من جيوشهم ما بين قتيل وأسير، وقبيل وفاته عام 615هـ حدث أن هاجم الفرنجُ كَفر دمياط، فواجههم الملك الكامل ابن العادل، لكنهم استطاعوا الاستيلاء على برج السلسلة الذي كان بابًا حصينًا لديار مصر، وحينما وصل الخبر إلى العادل وهو بمَرْجِ الصُّفَّر حزن لذلك حزنًا شديدًا، ودَقّ بيده على صدره أسفًا وحزنًا، ومرض من ساعته ، ثم فاضت روحه إلى بارئها. بعد وفاة العزيز بن صلاح الدين صارت البلاد على خطر من جهة الصليبيين، فاستطاع العادل دفع الأخطار وتوحيد السلطنة وتوسيعها، فقلّده الخليفة العباسي بمرسوم رسمي حُكم مصر والشام وأرض الجزيرة، فصان القدس من أطماع المتربصين، وحصّن البلاد، وبنى القلاع، وكان صيتُه كافيًا لردع ملوك أوروبا وتخويفهم من الإقدام على اقتطاع القدس أو غيرها من البلاد التي انبسط عليها سلطان الإسلام، وكانت رحلاته في أرجاء مملكته كثيرة؛ لضمان استتباب الأمن، وتفقد أحوال الأقاليم الخاضعة له. وقبل ذلك كان العادل أحد القادة الكبار الذين رافقوا صلاحَ الدينِ في تحريرِ القدسِ وكسرِ شوكةِ الصليبيين، ومواجهةِ الحملةِ الصليبيةِ الثالثةِ بشراستها الشديدة، وصدها عن بيت المقدس. وفاته: نزل الملك العادل مرج الصُّفَّر بالقرب من دمشق لينازل الفرنج الصليبيين، فجاءته أخبار ساءته غاية السوء؛ إذ استولى الفرنج على برج منيع على الديار المصرية، فاغتمّ الملك لذلك غمًا شديدًا، ومرض ثم مات يوم الجمعة سابع عشرمن جمادى الآخرة عام 615هـ بقرية عالِقين بظاهر دمشق، فحمله ابنُه المعظم زاعما أنه مريض، وكلما جاء أحد من الأمراء ليسلم عليه قال: إنه ضعيف لا يَقْوَى على الكلام، حتى وصل به إلى قلعته بدمشق، حيث دُفن بها ثانيَ يوم وفاته، ثم نُقل رُفاته بعد مدة إلى مدرسته المعروفة بالعادلية، ودفن في تربتها. 30- العاضد الفاطمي: هو عبد الله، العاضد، ابن يوسف ابن الحافظ، العَلويّ الفاطميّ، أبو محمد: آخر ملوك الدولة الفاطمية العبيدية بمصر والمغرب، وآخر من دُعي بأمير المؤمنين من العبيديين الفاطميين بمصر. وُلد سنة 544هـ ـ 1149م، وبُويع خليفةً بمصر سنة 555هـ، وهو لا يزال صغيرًا، بعد موت الفائز، فقام بالأمر الوزراءُ والمستشارون من التُّرْك وغيرهم، واستبدّوا في ذلك. وكان الضعف باديًا على رجال هذه الدولة في وجود هذا الخليفة، فتدهورت أحوال البلاد وصارت أقربَ إلى الفوضى، فسيَّر السلطان نورُ الدين محمود بن زَنْكِي حملاتٍ للنجدة والمساعدة، حتى تَسنّى له تقويةُ سلطانِه بمصر، وصار لقائده صلاح الدين الأيوبي أمرٌ عظيم فيها، حيث تولى الوزارة في مصر وأصبح المتصرفَ في شئون المُلْكِ، ثم أمر بقطع الخُطبة للخليفة العاضد وجعلها للمستضيء بالله العباسي، ثم مرض العاضد ومات سنة 567هـ ـ 1171م، فانتهت بموته دولةُ الفاطميين التي دامت 268 سنة. 31- عبد الحميد الثاني هو السلطان العثماني عبد الحميد ابن السلطان عبد المجيد. ولد في الثالث عشر من شعبان عام 1258هـ، الحادي والعشرين من سبتمبر سنة 1842م، وتولى العرش خلفًا لأخيه مراد في العاشر من شعبان عام 1293هـ، الحادي والثلاثين من أغسطس سنة 1876م. ماتت أمه وهو في الحادية عشرة من عمره، فربّتْه زوجة أبيه وعاملته معاملة الأم شفقةً ورحمةً وعنايةً. درس عبد الحميد العلوم الأساسية في عهده، وبجانبها تعلم اللغة العربية وأجادها، والفارسية وأجادها. وكان ينظم الشعر، وقد بَدَتْ قوة شخصيته منذ صغره. وكان متدينًا وسط جو أوروبي يعيشه أمراء القصر السلطاني، حريصًا على أداء الصلوات في أوقاتها، عفيفًا، لا يشرب الخمر، ويمنع تدخل نساء القصر في السياسة وشئون الدولة منعًا باتًا؛ وفي ذلك تروي ابنته الأميرة عائشة، فتقول: "في اليوم التالي لتنصيب والدي السلطان عبد الحميد سلطانًا على الدولة قابل زوجة والده التي أحبها حبًا ملأ عليه فؤاده، وقبّل يدها، وقال لها: بحنانك لم أشعر بفقْد أمي، وأنت في نظري أمي لا تفترقين عنها، ولقد جعلتُك السلطانةَ الوالدةَ [وهو لقب خاص بأم السلطان]، لكني أرجوك بإصرار ألا تتدخلي بأي شكل من الأشكال في أي عمل من أعمال الدولة. فانصاعت "السلطانة الوالدة" لهذا الأمر تمامًا". هناك سلاطين موهوبون يتولون السلطة في أوطانهم في وقت عصيب وظروف شديدة، ويحاولون منع الانحدار في ممالكهم، والحيلولة دون سقوط دولهم، لكن عوامل أخرى كثيرة تكون قد تجمعت لإفشال هذه المحاولات، ومن هؤلاء السلاطين عبد الحميد الثاني. مع خلافة عبد الحميد بلغ المد الأوروبي قد بلغ مداه، وسُبِق العالمُ الإسلامي بمراحل، وتبلورت ـ أو تحققت بالفعل ـ مخططات غربية (فرنسية وروسية وبريطانية وإيطالية) لاقتطاع أجزاء من الجسد العثماني، خاصة في شمال إفريقيا والعراق والشام والقوقاز وشرق أوروبا. وفي داخل الإمبراطورية العثمانية كانت التيارات القومية والتغريبية قد نمت نموا كبيرًا، وبدأ تأسيس الجمعيات ذات الأهداف السياسية تحت أسماء أدبية وعلمية، وكان أهم مراكز هذه الجمعيات بيروت وإستانبول، ومن أشهر هذه الجمعيات "جمعية تركيا الفتاة" التي تأسست في باريس، وكان لها فروع في بِرْلين وسلانيك وإستانبول، وكانت رئاستها لأحمد رضا بك المفتون بأفكار الثورة الفرنسية، وتقليد الغرب واقتفاء أثره، وكان ينتقد إدارة الدولة العثمانية بشدة، غير أن مركز سلانيك كان أكثر مراكز هذه الجمعية تطرفًا، وضم عددًا من الضباط الذين كَوَّنُوا جناحًا عسكريًا في هذه الجمعية، عرف باسم "الاتحاد والترقّي"، وكانت اللقاءات تتم في المحافل الماسونية التي اهتمت اهتمامًا كبيرًا بحركة الجمعية ونشاطها، وتنظيم الاتحاد والترقي فيها. كما افتُتن بأوربا وأفكارها رجالٌ كان لهم دور خطير في الدولة، مثل مدحت باشا رئيس مجلس الدولة، وصاحب الدور الأكبر في خلع الخليفة عبد العزيز وقتله، وفي خلع الخليفة مراد الخامس. وتقلّد يهود الدونمة عددًا من المراكز الرئيسة. وسط هذه الظروف تسلم عبد الحميد الثاني العرش خلفًا لأخيه مراد في العاشر من شعبان عام 1293هـ، الحادي والثلاثين من أغسطس عام 1876م، فكان عليه أن يسير بالدولة إلى شاطئ النجاة دون أن يعرّضها للخطر، فاستكثر من رجال الاستخبارات؛ لمراقبة تحركات أعداء الدولة من أبناء البلاد، خاصة أصحاب المراكز المهمة، فكان إذا استطاع أن يستميل أحدهم بالعطاء استماله ولم يدخر في ذلك وسعًا حتى بالتزويج من الأميرات والجواري، وإذا استطاع أن يبطش بأحدهم دون أن يُحدث اضطرابًا أقدم على ذلك، حتى أُطلق عليه "السلطان الأحمر"؛ تعريضا به.. ورماه أعداؤه بالتهم، وأطلقوا عليه الشائعات. وقد اضطر عبد الحميد في بداية تسلمه السلطة أن يعلن دستورًا وضعيًا للبلاد تحت ضغط هؤلاء، وافتتح مجلس "المبعوثان" الذي زجّ بالدولة في حرب مع روسيا سنة 1294هـ، تكبد العثمانيون فيها خسائر فادحة، فقام بحلّ هذا المجلس الذي تسبب في هذه الكارثة. وبقي حاكما للبلاد حتى السابع عشر من جمادى الآخرة سنة 1326هـ / الثالث عشر من يوليو سنة 1908م. وبعد وفاة السلطان عبد العزيز ـ عمَّ عبد الحميد ـ بخمس سنوات أثار عبد الحميد قضية هذه الوفاة، وقدم مدحت باشا وأعوانه إلى المحاكمة في محكمة يلديز في 27 يونيو 1881م، بتهمة قتل سلطان الدولة، وأصدرت المحكمة قرارها بالإدانة. وفي نفس العام وُجد مدحت باشا وزميلُه في السجن محمود جلال الدين باشا مقتولَيْن خنقًا. ولم يُعرف المحرض على قتلهما. وفي 21 يوليو سنة 1905م دبّر الأرمن مؤامرة لقتل السلطان عبد الحميد عُرفت في التاريخ العثماني باسم "حادث القنبلة"، دبرها ونفذها الأرمن، وأيدها المعارضون لعبد الحميد خاصّةً العاملين في النشر والإعلام. ومع هذا فقد كان عهد عبد الحميد بالنسبة للدولة العثمانية عهد استقرار، لكنْ نتيجةً لربْط السلطان مؤسسات الدولة بشخصه مباشرة ودائمًا، وحَدِّه من انفلات الصحافة والحريات السياسية فقد عاداه الضباط وطلبة العلوم العليا، خاصة طلبة الكلية العسكرية. أما الأقاليم العربية في عهد عبد الحميد، فصارت إلى أسوأ حالاتها بوقوعها في قبضة الدول الأوروبية؛ فقد وقعت تونس فريسة للاحتلال الفرنسي، ودخل البريطانيون مصر في سبتمبر سنة 1882م. وفي 21 ربيع الأول 1327هـ ـ 13 أبريل 1909م دبر ضباط من الجيش العثماني حادثة عُرفت باسم حادث 31 مارس، ثم نسبوها إلى عبد الحميد، وقالوا: إنه أراد ثورة العناصر الرجعية ضد جمعية الاتحاد والترقي. وادعى رجال الاتحاد أن الدستور معرض للإلغاء، والحرية مهددة بالاستبداد، لذا اتخذ الجيش المرابط في سلانيك بقيادة محمود شوكت هذه الدعوى ذريعةً للتمرّد والتحرك لخلع السلطان عبد الحميد الثاني وحماية الدستور والمجلس النيابي! وعلم السلطان عبد الحميد بتحرك الجيش من سلانيك، وعرض عليه قادة ثكنات الجيش بإستانبول والمُخْلِصون له مواجهةَ هذا الجيش ومَنْعَه من دخول إستانبول، لكنه رفض ذلك رغبة في حقن دماء جنوده وبني دينه. كما تقدم إليه سفراء الدول الأوربية الكبرى وعرضوا عليه الحماية وتقديم المساعدة وأنهم رهن إشارته، فرفض ذلك كله، وأَبَى الفرار من بلده، وقال لابنته الأميرة شادية بعد انتهاء مقابلة سفراء الدول الكبرى: "إنه لمن الواضح وضوح الشمس أن كل هذه الاستعدادات التى يقوم بها الجيش إنما هي موجهة ضدي وللقضاء علي، واعلمي أنني سأتعرض لنفس الجريمة التى تعرض لها عمي السلطان عبد العزيز؛ ومع هذا، فلو قطعوا لحمي إربا إربا، فلن أفكر فى اللجوء إلى دولة أجنبية. وإن الهروب من الوطن يوجب العار. بل إن أكبر أنواع الانحطاط أن يرتكب إنسان مثلي يَحكم دولة كبرى منذ ثلاث وثلاثين سنة عملاً مثل هذا. إني مستسلم لله ولقضائه". وبهدوء تلقى السلطان عبد الحميد خبر عزلِه وتنازَلَ لأخيه السلطان محمد رشاد في 6 من ربيع الآخر سنة 1327 هـ / 27 أبريل 1909، وركب هو وأسرتُه القطار إلى منفاه فى سلانيك، حيث يقيم في قصر قديم لتاجر يهودي يدعى "آلاتيني" إمعانا فى إذلال عبد الحميد. استمر حُكم السلطان عبد الحميد أكثرَ من ثلاث وثلاثين سنة، ومن أهم أعماله فيها ما يلي: حفظ الدولة من الانهيار بعد الحرب مع روسيا، حتى إنه أنفق من ماله الخاص لإغاثة مصابي الحرب الروسية، وبذل ما فى وسعه لإيجاد المأوى وسبل العيش الكريم للمهاجرين الذين قارب عددهم مائة وخمسين ألف نسمة. كما قمع تمردَ كريت، وانتصر على اليونان، وقام بتحديث جيشه وجهزه بالأسلحة، ودرّبه على أساليب القتال الجديدة على أيدي ضباط من ألمانيا، وأرسل البعثات العسكرية للخارج. ولم يدخر وسعا في الحفاظ على ثروات المسلمين؛ فمنع الإنجليز من سرقة بترول العراق والحجاز وسوريا، ولم يسمح لهم بأعمال الحفر والبحث، وطردهم منها. وأنشأ مراكز البريد، وأدخل التلغراف في كل أرجاء الدولة، وامتد هذا الخط ثلاثين ألف كيلو متر، حتى بلغ القرى، ولم يكن التلغراف في ذلك الوقت قد دخل بعض الدول الأوروبية. وأقام السلطان عبد الحميد الخطَّ الحديدي الحجازيَّ من دمشق إلى المدينة المنورة، فبلغ طوله أكثر من ألف وثلاثمائة كيلو متر، واستغرق العمل فيه سبع سنوات (1320 هـ ـ 1327هـ). ونفذ خطتَه لإنشاء مسجد بكل قرية وبجانب المسجد مدرسة، فانتشرت المدارس فى ربوع الدولة العثمانية، ودُورُ المعلمين والمعلمات، وَوُجدت الجامعة بكلياتها كافة: دار العلوم السياسية، ومدارس اللغات، ومدرسة الفنون النسوية. وافتتح مُتْحَف الآثار الشرقية، والمتحفَ العسكري، ومكتبة بايزيد، ومدرسة الطب، ومستشفى الأطفال، ودار العجزة، ودار النفوس العامة.. وغيرها. ومدّ أنابيب مياه الشرب، وأقام الغرف التجارية الصناعية والزراعية، ومعملاً للخَزْن، وجرى في عهده بناء دار الحكومة في "دمشق"، والثكنة الحَمِيدية (جامعة دمشق اليوم)، وإصلاحُ الكعبة المشرَّفة، وغيرُها.. وأقام تجارب بناء الغواصات في إستانبول من ماله الخاص، ولم تكن إنجلترا في ذلك الوقت تملك غواصة واحدة، ولكن التجارب توقفتْ بخلعِه من الحكم، فلم تكتمل تلك التجارب. لم يكن السلطان عبد الحميد يسعى لأخْذ كل ثقافة الغربِ وتراثه، بل كان يريد اقتباس ما لديهم من علوم حديثة فقط، وبالتدرّج؛ لأنه كان موقنًا بأن حضارة الإسلام الروحية متكاملةٌ ومتفوِّقة على الحضارة الغربية، إذْ يقول: "إن الإسلام هو القوة الوحيدة التي تجعلنا أقوياء، ونحن أمة حية قوية، ولكن بشرط أن نَصْدُقَ في ديننا العظيم". وكان يرى أنه لمواجهة الحروب المستمرة ضد دولته لابد من العمل بالإسلام لتوحيد عناصر الدولة المتعددة؛ من عرب وتُرك وأكراد وغيرهم في جبهة واحدة، ولم يكتف بنشر ذلك بين المسلمين بالدولة العثمانية، بل امتد تأثير دعوته إلى كل مسلمي العالم في أفريقيا وآسيا وغيرهما. وقد أيَّدَ فكرةَ الجامعة الإسلامية كثيرٌ من علماء الدولة العثمانية وغيرهم، أمثال الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي، والشيخ عبد الرحمن الكواكبي، والشيخ محمد رشيد رضا، والأمير شكيب أرسلان. وقرّب العلماء والمتصوفة واستمع إلى نصائحهم، ونظَّم المحاكم القديمة، وتابع العمل في مجلة الأحكام العدلية وفق الشريعة الإسلامية، وقام ببعض الإصلاحات العظيمة، مثل القضاء على معظم الإقطاعات الكبيرة المنتشرة في كثير من أجزاء الدولة، وسعى للقضاء على الرشوة وفساد الإدارة. يقول "تحسين باشا" ـ رئيس أمناء القصر العثماني في عهد السلطان عبد الحميد ـ في مذكراته ما يلى: "جاءت شخصيةٌ كبيرة صهيونية يهودية نمساوية إلى إستانبول، وطلبت إقامة وطن يهودي في سنجق القدس، وقالت هذه الشخصية: إنها تتحدث في هذا باسم الصهاينة، وإن "روتشيلد" المَصْرَفِيَّ المشهور وراء هذا الأمر. "وكان أساسَ مطلب هذا اليهودي هو إقامةُ قرى يهودية في فلسطين في مكان تحدده الحكومة العثمانية، ولا مانع من وجود منازل إسلامية في هذه القرى إذا رغبت الحكومة في هذا، وسيَتْبع اليهود القادمون من الخارج قوانين ونظم الدولة العليّة (العثمانية)، وسيتم مقابل هذا تقديم الخدمات والتسهيلات اللازمة في مسألة الديون العمومية، وسيتم تقديم الضمان الكافي بهذا الكتاب. ولأن هذا اليهودي كان له وزنه واعتباره؛ ولأن هذه المسألة تتعلق بالديون العمومية بحسابات حادة عرضْنا الموضوعَ على الذات الشاهانية (السلطان) وأذن السلطان بمقابلته. وفي هذه المقابلة أخبره الوفد اليهودي ـ كما جاء بمذكرات هرتزل ـ أن الناس في إنجلترا ينتظرون سقوطَ دولتِه، وأن خلافته لن تكون إلا باتفاقه مع حزب تركيا الفتاة، وفي مقابل السماح لليهود بشراء المزارع السلطانية الموجودة في سنجق القدس؛ لإقامة وطن يهودي في فلسطين سيقومون بإصلاح أمرِه وماليته في البلاد، فضلاً عن تأثيرهم على الرأي العام ليقف إلى جانبه. وأما عن الأموال التي عُرضت على السلطان عبد الحميد ليوافق على طلب اليهود، فجاء في مذكرات شيخ الإسلام مصطفى صبري في معرض حديثه عن "قراصو اليهودي" الذي كان ضمن الوفد الصهيوني عام 1898 لشراء قطعةِ أرض بالقدس والسماح بمسألة الهجرة إلى فلسطين نظير تقديم هدية موعودةٍ قدرها خمسون مليونًا من جنيهات الذهب لخزينة الدولة، منها خمسة ملايين لخزينة السلطان الخاصة، فلقي رجاؤه ردًا عنيفًا من السلطان مقرونًا بإخراجه من حضوره في سُخْط واحتقار. وعن رد السلطان على هذا الوفد جاء في مذكرات هرتزل الآتي: "قال السلطان: إنه لن يتخلى أبدًا عن القدس، فإن جامع عمر يجب أن يبقى بيد المسلمين دائمًا.."، ثم يقول هرتزل في موضع آخر من مذكراته: "قال السلطان عبد الحميد لصديقي نيولنسكي: "إذا كان صديقَك فانصحْه ألا يسير أبدًا في هذا الأمر؛ لا أقدر أن أبيع ولو قدمًا واحدًا من البلاد؛ لأنها ليست لي، بل لشعبي، لقد حصل شعبي على هذه البلاد بإراقة دمِه، وقد غَذاها فيما بعد بدمائه أيضًا، وسوف نغذيها ولن نسمح لأحد باغتصابها منا.. فليحتفظ اليهود بملايينهم، أما إذا سقطت الدولة العثمانية وتم تقسيمها فقد يحصل اليهود على فلسطين بلا مقابل، لكنّا لن نقسم هذه الدولة (العثمانية) إلا على جثثنا، ولن أقبل تشريحَنا لأي غرض كان". وبعد هذه المقابلة التي رجع منها الوفد اليهودي إلى بلاده صفر اليدين أمر السلطان عبد الحميد سفراء الدولة العثمانية في كل من واشنطن وبرلين وفيينا ولندن وباريس بتتبّع الحركة الصهيونية، فقام هؤلاء السفراء بتعقّبها وإرسال تقارير عنهم أولاً بأول إلى السلطان، كما قاموا بناءً على هذا الأمر بمقابلة زعماء اليهود في البلدان التي يعملون بها، وقاموا بإرسال رجال استخبارات عثمانيين لحضور الاجتماعات الصهيونية في أوروبا، إضافةً إلى إرسال قصاصات الصحف والمجلات الأوروبية المتعلقة بنشاط اليهود في أوروبا؛وبذلك خطط عبد الحميد بنفسه الخططَ الأساسية العثمانية تجاه احتواء اليهود، بعدما اتضحت نواياهم تجاه فلسطين. وفي 28 يونيو 1890م، وفي 7 يوليو من نفس العام أصدر السلطان عبد الحميد قرارين بـ "عدم قبول الصهاينة في الممالك الشاهانية (الأراضي العثمانية)، وإعادتهم إلى الأماكن التي جاءوا منها. وأبلغ عبد الحميد أوامره إلى نظارة الشئون العقارية بعدم بيع أراضٍ للمهاجرين إلى فلسطين، يقول محرم فوزي طوغاي في مقال له في 2 مايو سنة 1947م نشره في مجلة "بيوك طوغو" التركية بعنوان "فلسطين والمسألة اليهودية" ما يلي: "إن تصرف عبد الحميد تجاه الحركة اليهودية بهذا الشكل المعادي كان معناه أنه يتسبب في هدْم تاجِه وهدم عرشِه، ليس هذا فقط، بل وبالتالي في هدم الدولة العثمانية كلها". وفاته: ظل السلطان عبد الحميد في منفاه بسلانيك حَبيسًا تحت حراسة الاتحاديين حتى حرب البلقان سنة 1917م، التي نُقل بعدها إلى قصر بيلربي فى إستانبول، وبقي فيه حتى توفي في السابع والعشرين من ربيع الآخر عام 1336هـ ـ العاشر من فبراير عام 1918م، عن ستة وسبعين عامًا، واشترك فى تشييع جنازته كل شعب إستانبول تقريبًا. وهذه ترجمة لقصيدة نَظَمَهَا الفيلسوف التركي رضا توفيق، وهو من أنصار الاتحاد والترقّي، وكان من أكبر المعارضين لحكم عبد الحميد، لم يكتبْها إلا بعد وفاة السلطان عبد الحميد، يقول فيها: عندما يذكر التاريخ اسمَك يكون الحق فى جانبك ومعك يا أيها السلطان العظيم كنا نحن الذين افترَيْنا دون حياء على أعظم سياسيِّي العصر قلنا إن السلطان ظالم وإن السلطان مجنون قلنا لا بد من الثورة على السلطان وصدّقنا كل ما قاله لنا الشيطان وعملنا على إيقاظ الفتنة لم تكن أنت المجنون، بل نحن، ولم نكن ندري علّقْنا القلادة على فتيل واهٍ لم نكن مجانين فحسب، بل كنا قد عدمنا الأخلاق فلقد بَصَقْنَا ـ أيها السلطان العظيم على قِبلة الأجداد. 32- السلطان عبد العزيز: هو السلطان عبد العزيز ابن السلطان محمود العثماني. ولد في الرابع عشر من شعبان سنة 1254هـ ـ التاسع من فبراير سنة 1830م، وتولى الخلافة بعد وفاة أخيه عبد المجيد ابن السلطان محمود، في السابع عشر من ذي الحجة سنة 1277هـ ـ السادس من يونيو سنة 1861م. وبعد وفاة "غالي باشا" و "فؤاد باشا" اللذيْن توليا منصب الصدر الأعظم "رئيس الوزراء" وضيَّقا على السلطان عبد العزيز، انطلق يمارس سلطاتٍ استبداديةً، واشتد سخط العثمانيين لذلك، وتدخلت السلطانة "الوالدة باشا" في شئون الحكم، وازداد القلق بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية، وأُعلن إفلاس الحكومة العثمانية في أواخر سنة 1292هـ ـ 1875م، وهو الأمر الذي عُزي إلى إسراف عبد العزيز وخراب ذمته. وأرجعه آخرون إلى أسباب أخرى، مثل: "التنظيمات" العلمانية، ونفوذ الأجانب. وحدثت في عهده انتعاشة إسلامية ضيقت على المدارس الأجنبية وأعمال المبشِّرين، وأدت إلى طرد المعلمين والخبراء الأجانب، كما اشتدت المطالبة بإلغاء الامتيازات الأجنبية. وفي آخر عهد عبد العزيز ساءت الأحوال الاقتصادية للدولة بشدة، حتى توقف صرف رواتب الموظفين ـ بما فيهم العسكريون ـ شهورًا، ولم يؤدِّ فرض ضرائب جديدة إلى علاج الأوضاع المتردّية، وفي انقلاب نفذته جماعة من كبار موظفي الحكومة، تم خلع السلطان عبد العزيز، وتولية الأمير مراد الخامس السلطنة في السادس من جمادى الأولى سنة 1293هـ ـ الثلاثين من مايو 1876م. 33- عبد الملك بن مروان هو عبدُ الملك بنُ مروانَ بنِ الحَكَم بنِ أبي العاصِ بنِ أميّة، قيل: هو أول مَنْ سُمي في الإسلام بعبد المـلك. أمُّـهُ عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية، وُلد سنة ست وعشرين من الهجرة، ولما بلغ السادسة عشرة ولاه معاويةُ المدينةَ. كان عبدُ الملك فقيهًا واسـعَ الاطّلاع، وكان يُعـدّ أحدَ فقهاء المدينة، من طبقة سعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير، وعنه يقول الشَّعْبِيّ: "ما ذاكرْتُ أحدًا إلا وجدتُ لي الفضل عليه إلا عبد الملك، فإني ما ذاكرتُه حديثا إلا زادَني فيه، ولا شِعْرًا إلا زادَني فيه". وقال عنه عبد الله بن عمر: "وَلَدَ الناسُ أبناءً ووَلَدَ مروانُ أبًا". وقال فيه عمرو بن العاص: كنت عند معاوية وعنده عبد الملك، فلما قام أتْبَعَهُ بصرَه، ثم قال: لله دَرُّ هذا الفتى، ما أعظم مروءتَه، إنه لَيَتْرُكُ مخالفةَ الجليس تَوَقِّيًا لسوء المجالسة، ويَدَعُ مماراة اللَّجوج كراهةً لعداوته. لله دَرُّهُ، فما زال معروفا بأنه آخذٌ بأربعٍ تاركٌ لثلاثٍ؛ آخذ بقلوب الرجال إذا حدَّث، وبحسن الاستماع إذا حُدِّث، وبترْكِ الجدال إذا خُولِفَ، وبإظهار البِشْر إذا لَقِي، تارك لخُلّة الظَّنين في دينه، وملاحاة الغَلِق خوفا لشِذَّاته، وللدخول فيما لا يَعنيه، هذا مع حِلم وعلم". وقد أوصى ابنُ عمر الناسَ بسؤاله حين قال له القائل: إنكم ـ معشرَ أشياخ قريش ـ يُوشك أن تنقرضوا، فمن نسأل بعدكم؟ فقال: إن لِمَرْوانَ ابنًا فقيهًا، فاسألوه. وفضلاً عن فقه عبد الملك، فقد كان لَسِنًا بليغًا، أثنى عليه الأصمعي وتوَّجَهُ تاجَ البيان إلى جانب تيجان الفقه. عاش عبد الملك وسلطانُ الأمويين منبسط على الأرض، وإن تعرض للتقلص في بعض الفترات، ويبدو أن حظه من الثقافة والعلم والمروءة والحلم، فضلاً عن إمارتِه المدينةَ وهو ابن ست عشرة سنة ـ جعل الاعتقاد يسود لدى العامة بأنه الخليفة القادم. فها هي أم الدرداء تقول له: ما زلتُ أرى هذا الأمرَ فيك منذ رأيتُك، فقال لها: وكيف ذاك؟ قالت: ما رأيت أحسنَ منك محدِّثا، ولا أعلمَ منك مستمعًا". وقد صَدَقَ ظنُّ الناسِ فيه حيث تولَّى الخلافة في شهر رمضان من سنة 65هـ. وَلِيَ عبدُ الملك الخلافة والمسلمون متفرقون متنازعون؛ فعبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنه ـ بُويِعَ خليفةً في الحجاز، والخوارج متمرِّدون، فاستطاع أن يردّ البلاد كلَّها إلى الطاعة، وأن يقضي على كل تمرد وعصيان، فوُصف بأنه المؤسسُ الثاني للدولة الأموية. وقد اجتمع الناس عليه بعد مقتل ابن الزبير، سنة ثلاث وسبعين، فكان حازمًا فطنا سائسا لأمور الدنيا، لا يَكِل أمرَ دنياه إلى غيره، وقد شهد له المنصور بذلك عندما ذكر ملوك بني أمية فقال: "عبد الملك أشدهم شكيمةً، وأمْضاهم عزيمةً..". ومن أعمال الخليفة الكبير عبد الملك بن مروان أنه عَرَّبَ الدواوين، فكان ديوانُ الشام يُكتب باليونانية، وديوانُ فارس يُكتب بالفارسيّة، وديوان مصر يكتب بالقبطيّة، فنقلها جميعا إلى اللغة العربية هو وابنه الوليد. وعبد الملك أولُ من سكَّ النقود في الدولة الإسلامية سكًا منتظمًا، وكتب على الدينار (قلْ هو الله أَحَدٌ)، وفي الوجه الآخر (لا إله إلا الله)، وطوَّقه بطوق فضة، وكتب فيه "ضُرب بمدينة كذا" وكتب خارج الطوق "محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق". وعبد الملك أول من كتب في صدور الكتب (قل هو الله أحد) وذكر النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع تاريخ الكتاب. وهو أول من كسا الكعبة بالحرير والديباج. وفُتِحَت في عهده هرقلة، وغزا أرمينيّة، وصُنْهاجة بالمغرب، وبُنيت في أيامه مدينة واسط. عبد الملك بن مروان من أوثق خلفاء المسلمين علاقة بالقدس وبالحرم القدسي خاصة؛ فهو الذي أمر ببناء أول مسجد في التاريخ فوق صخرة بيت المقدس، واكتمل بناء مسجد قبة الصخرة في سنة اثنتين وسبعين. ولم يتوقف جُهد الخليفة الأموي الكبير عند ذلك، فقد أمر بإعادة بناء المسجد الأقصى على أبهى صورة، إجلالا وتقديرًا لتلك البقعة الطاهرة المقدسة، ومع أن الخليفة عبد الملك مات سنة ست وثمانين للهجرة إلا أن العمل في بناء المسجد المبارك تَوَاصَلَ حتى نهايتِه في عهـد ابنه الوليد |
||||